Feed Item

مجمع قاعات المحاضرات بجامعة قاريونس كان عبارة عن مجمع يحتوي تقريبا - لست متأكدا - على أربع أو خمس مدرجات كبيرة، تلتقي مداخلها جميعا في وسط مجمع دائري، يمكن عن طريقه الانتقال من مدرج إلى آخر. هذا تقريبا الوصف إن لم تخني الذاكرة. كان القذافي يحاضر مباشرة في إحدى تلك المدرجات، ويستمع الطلبة والطالبات في المدرجات الأخرى عبر شاشة كبيرة مثبتة في جدار القاعة الأمامي لكل مدرج. بعد انتهاء محاضرة القذافي أعقبها مداخلات المدح والتطبيل من قبل النفوس المريضة، كانت إحداها لجاري عضو اللجان الثورية الذي أمطر القذافي وابلا من القصيد الذي يغمره الزيف والكذب. 

بعد انقضاء 3 ساعات ثقيلة، ضاقت فيها صدورنا من الكذب، والتدليس، والنرجسية، رحل القذافي وجنوده بعيدا عنا، ثم سمح لنا بعدها بمغادرة المدرجات دون اهتمام بضبط النظام في خروج الطلبة، كما كانوا مجتهدين في ضبط دخولهم. قفلت راجعا أنا وزميلي باحثين عن حقيبتي السوداء المركونة في إحدى الزوايا التي اخترناها لتكون المكان الآمن لها. عند وصولنا إلى تلك الزاوية فوجئنا باختفاء حقيبتي السوداء، ولم نعثر لها على أثر. عاودنا البحث مرارا تكرارا، علنا نجدها مرمية هنا أو هناك، حيث حالت عشوائية الخروج والازدحام منقطع النظير على أبواب مجمع المدرجات، بيننا وبين العثور على الحقيبة. هنا انتابني شعور من الحزن، وخيبة الأمل على ضياع حقيبتي السوداء، التي تحتوي على كتبي وكتب زملائي. قال لي زميلي: ربما أحد الأصدقاء الذين وضع كتبه في الحقيبة معنا، ربما وجدها وأخذها معه، حفاظا عليها من التلف والضياع. بعد ملاحظة زميلي شعرت بنوع من الارتياح، وقلت في نفسي ولم لا، ربما!! 

ودعت زميل الدراسة على باب المدرسة بعد أن رجعت بنا الحافلات إلى مدارسنا منهكين من عناء يوم كالح. وصلت البيت عند صلاة العصر تقريبا مهموما حزينا، فأخبرت أسرتي بما حدث لي في هذا اليوم العجيب الذي انتهى بضياع حقيبتي المدرسية. استغربوا بعض الشيء، ثم طمأنونني بأنني سوف أجد الحقيبة، ولن تضيع، بإذن الله.

بعد أن أخذت قسطا من الراحة داخل البيت، خرجت لمقابلة أصدقاء الشارع، حيث كنت على موعد مسبق معهم لإجراء مباراة في كرة القدم كالعادة. أثناء انتهاء المبارة قصصت على أصدقاء الشارع ما حدث لي من مغامرات في صباح ذلك اليوم، ومحاولاتي الجادة لتجنب حضور لقاء القذافي المشؤوم، الذي انتهى بضياع كتبي المدرسية، وكتب زملائي الطلبة كذلك. بعد أن فرغت من سرد القصة التي تابعها أصدقائي بتشوق وبتندر، تطوع أحد أصدقاء الشارع الذي يملك سيارة بالرجوع بي مساء إلى حيث قاعة المدرجات، لنعاود البحث رويا بعد فراغ المكان وهدوءه من الازدحام. فعلا وصلنا مساء ذلك اليوم إلى ذلك المكان، وبحثنا بدقة منقطعة النظير، فلم نجد إلا خيبة الأمل. فرجعنا بخفي حنين.

في اليوم التالي بدأت بمقابلة زملاء الدراسة الذين وضعوا كتبهم في حقيبتي، أسألهم بلهف عما إذا ما تطوعوا وأخذو الحقيبة معهم للحفاظ عليها، وعلى ما بداخلها. فجاءت إجاباتهم مخيبة للآمال، فلم يقر أحدهم بما ظننته أنا ورفيقي بالأمس، بأنه ربما أحدهم أخذ الحقيبة معه. بعد أن تلقيت إجابات النفي، زادت حسرتي، وضاق صدري، وشعرت بحزن شديد، لضياع مجهوداتي ومجهودات أصدقائي الطلبة بدون سبب مقنع. بعدها اعتذرت لأصدقائي عن ضياع كتبهم التي كانت معي للحفاظ عليها، وأنها ضاعت مع كتبي دون قصد مني، فتفهم الجميع عذري، وتأسفوا لما حصل معي، ووجدوا لي العذر، ووعدتهم بأني سوف أرجع كتبهم، أو أعوضهم عليها، فرفض الجميع التعويض، واستوعبوا المأساة وتحمولها سويا، وكان من بين الأصدقاء الذين وضعوا كتبهم معي زميلي في الفصل الدراسي يدعى محمد مصْعد، مصري الجنسية، يتصف بالسمنة المفرطة، وكنا غالبا ما نتندر على سمنته، وننعته بـ محمد مهبط بدلا من مصعد، قياسا على مادة الفيزياء الكهربية التي تكثر فيها مصطلحات مصعد ومهبط.

مرت الأيام تباعا، واجتهدت في إعادة كتابة المنهج الدراسي الذي فقدته في تلك الحادثة المأساة، وبدأت أعيد ما فقدته من مواد المنهج، وأصبح ضياع الحقيبة السوداء من الماضي البئيس، إلى أن جاء يوم استدعت الإدارة العسكرية للمدرسة زميلي المصري محمد مصعد، قائلين له: إن هناك استدعاء من الأمن الداخلي يطلب حضورك إليهم على وجه السرعة، لأمر ما، لم يوضح في طلب الاستدعاء. ارتعدت فرائس محمد مصعد خوفا من الاستدعاء المجهول. ذهب زميلي محمد في الموعد المضروب له لمقابلة رجال الأمن الداخلي، بمقرهم أمام محكمة شمال بنغازي، واخضع لتحقيق عسير، بدأ من تاريخ ميلاده إلى وصوله إلى ليبيا، إلى التحاقه بمدرسة شهداء يناير، انتهاء بحضوره لقاء القذافي في جامعة قاريونس، وإزعاجه للسلطات الأمنية، وتعريض أمن البلد إلى الخطر!! استغرب مصعد من الاتهامات الموجهة إليه، ونفاها جملة وتفصيلا، قائلا: كيف لي بإزعاج السلطات الأمنية، وتعريض أمن البلد للخطر. أصر على النفي والإنكار لتعريضه البلد لهزة أمنية، إلى أن تم إخراج حقيبة سوداء من خزانة داخل غرفة التحقيق، وسؤاله عنها. هنا تذكر مصعد الحقيبة السوداء، وإلى من تؤول، وبدأت خيوط اختفائها تتضح له. سارع على الفور بالدفاع عن نفسه، وشرح القصة لهم تفصيليا، بأن هذه الحقيبة لأحد زملائه الطلبة المجتهدين، الذي يصر دائما على حفظ كتبه المدرسية بوضعها داخل الحقيبة السوداء، وغلقها بإحكام كعادته. هنا استغرب رجال الأمن، وقالوا له بأنهم وجدوها خارج مدرجات الجامعة أثناء زيارة القذافي لجامعة قاريونس، وأنهم صادروها بعد أن اكتشفت من قبل جهازهم الأمني، الذي قام بتفتيش دقيق لمحتويات الطلبة من كتب وأدوات مدرسية مرمية خارج مدرج المحاضرات، علهم يجدون خيوط مؤامرة ما على سيدهم الصنم.

استغرق التحقيق مع الطالب سئ الحظ مصعد ساعات عدة مرت ثقيلة عليه ثقل وزنه، انتهت بكتابة تعهد بعدم إزعاج السلطات الأمنية، وإلا سوف يجد ما لا يسره، وما لا تحمد عقباه من عقوبات وإجراءات قد تطال أسرته برمتها!!، ثم حمّلوه رسالة إلى صاحب الحقيبة السوداء، مفادها بألاّ يستخدم هكذا نوعاً من الحقائب المزعجة، التي أقلقت أمن البلد وعرضته لخطر محدق!! خرج مصعد من غرف التحقيق خائفا يترقب، يلعن اليوم الذي قابل فيه صاحب الحقيبة السوداء.

في الحقيقة لم يكن أحد من طلبة الفصل على علم باستدعاء الأمن الداخلي لزميلنا مصعد، فغيابه ذات يوم عن الحضور لم يكن مستغربا، لذلك لم يعر أحدنا اهتماما لغيابه. في اليوم التالي لاستدعائه، وأثناء تجمعنا الصباحي قبل دخولنا إلى الفصول، شاهدت من بعيد زميلنا مصعد ـ كتلة مترهلة ـ يبدو عليه الإرهاق والتعب والخوف، يسير باتجاهنا متثاقلا يحمل شيئا ما أسود اللون بين يديه، بدأت معالمه تتضح رويدا رويدا، كلما اقترب منا. ما أن اقترب أكثر، وأصبح لصيقا بنا، حتى صاح الطلبة وبصوت واحد شنطتك السوداء يا بوحميدة، الحمد لله على سلامتها. هنا استغربت استغرابا شديدا، وقلت في نفسي ما علاقة حقيبتي السوداء بزميلي مصعد؟ ولماذا أحضرها معه بعد غياب دام 3 أسابيع تقريبا من فقدانها؟ أسئلة لم أجد لها تفسيرا قبل أن يسلمني إياها مصعداً متبرما، قائلا لي: لقد أوشكت حقيبتك السوداء هذه أن تضعني وراء الشمس، لكن الله سلم. قلت له: وما علاقة حقيبتي هذه بوضعك وراء الشمس؟ بعدها قص علينا قصته مع غرف التحقيق، وكيف تعرض للإهانة والتوبيخ من قبل حماة النظام البائس، وتعرضه للتهديد الذي قد يطال حتى أسرته الآمنة. هنا اعتذرت له عما سببته له حقيبتي السوداء، وقلت له ضاحكا: أنت من أتيت إلى الحقيبة السوداء، ولم تأت هي إليك، وهذه يا مصعد ضريبة كل من يريد أن يتعلم في مدارس الوطن السليب!!

طبعا هنا لن أتطرق إلى التعذيب الذي لحق بحقيبتي السوداء، فهو أكبر من يحيط به قلمي، لأنه هو أيضا كان مخطوفا معها.

تحياتي

(*) بعد أن سألتني تلك اللعوب ذلك السؤال الخبيث المشار  إليه في الجزء الأول من المقالة (1-3)، أجبتها بطريقة واثقة: بأنه ليس عندي أخت، وهنا انفجر أعضاء اللجنة ضاحكين، وهي كذلك، حتى أن بعضهم ترك الكرسي من كثرة القهقهة، وشهدوا بذكائي الحاد. ثم دونت هي ملاحظة في كراستها تحت اسمي، احسبها عبارة "يخضع للمراقبة".

تنويه: تم نشر هذا المقال سابقا تحت عنوان "خواطر من حقبة سوداء" بموقع "ليبيا المستقبل"، و"ليبيا وطننا" في شهر يونيو من عام 2010

Comments

    • هههها قصة رائعة عبدالباسط بوحميدة . عندي تساؤل، ماعرفتش من صديقك "محمد المهبط" ليش هم استجوبوه هو فقط ومش باقي الزملاء اللي حطوا كتبهم في الشنطة؟ هل لأنه كان مصري الجنسية؟......

      ذكرتنا برعب الماضي البئيس...فعلًا شنطة سوداء وفيها أقفال وثقيلة في تركينة في الجامعة والقذافي يخطب مش غير جريمة....الحمد لله على سلامتكم متأخرًا....

      •    قصة رائعة،  عبرت عن وضعنا البائس ٤٢سنة ، ولاادري لماذا الحقائب السوداء تجر المشاكل على اصحابها ؟



        • والله يا افتوحه،، اصحابي كلهم استغربوا، وقالوا ليش الأمن الداخلي استدعى المصعد ولم يستدعينا نحن، وخصوصا انا صاحب الشنطة والقفل. حتى مصعد نفسه كان مستغرب وقال ليش انا؟ طبعا الحقيقة ما كانش عندنا اجابة. ولا اخفيك الجماعة قعدوا فترة خايفين من الاستدعاء. لكن للأمانة الموضوع مشى بدون اي توابع أخرى  وانا غيرت الشنطة المتهتكة بسير يمسك الكتب مع بعضهن. ومن ذلك اليوم والحقيبة السوداء أصبحت من الممنوعات في حسي الأمني. زر ع الستاك علي قولتك. الحمد لله اللي شفى صدورنا بثورة فبراير. المهم القصة عجبتكم. تحياتي.



          Not logged in users can't 'Comments Post'.
          Info