Feed Item

لايزال البحث العلمي ومن خلفه العلماء والباحثون في مجال علوم الحياة وبحوث ودراسات الطب الحيوي يقفون حائرين ومشهدوهين امام التعقيد البيولوجي للكائنات الحيّة، وفي مقدمتهم بيولوجيا الانسان. فجوهر الشق المادي من بيولوجيا الإنسان (البيولوجيا المادية) يتركب ابتداء على المستوى الجزيئي – نقطة احتساب المعطى البيولوجي المادي – من المادة الوراثية المتمثلة أساسا في الـ DNA، RNA، Protein، مرورا بالخلايا والأنسجة، وانتهاء بالأعضاء والجسم بأكمله. ويدخل فيها أيضا كل الشبكات المعقدة والآلات النانوية (nano-machineries)، المسؤولة عن أداء الوظائف الفسيولوجية المختلفة، والمسؤولة أيضا عن عمليات تواصل الجزيئيات فيما بينها داخل الخلايا وخارجها، بالإضافة لميكانيزمات تواصل الخلايا والأنسجة (cell signalling) وتبادل الأدوار التكاملية فيما بينها لتقوم بوظائفها الفسيولوجية على أكمل وجه.  أمّا ما دون ذلك فيدخل تحت مسمى الفيزياء الكمية (quantum physics)، وأمّا ما فوق ذلك فيخرج عن النطاق البيولوجي المادي للإنسان، وهذه الأبعاد أو المستويات الدونية والفوقية مُستثناة من التطرق إليها في مقالتنا هذه. والمستوى الفوقي يشمل المحيط والبيئة التي يتعايش و يتفاعل معها الإنسان بشقيْها الحي والميت، الساكن والمتحرك. فحديثنا عن  الشق المادي من بيولوجيا الانسان يبدأ إذا من مادة الـ DNA، كأصغر عنصر من عناصر البيولوجيا المادية انتهاء بالجسم البشري متكامل الأركان. 

فالإنسان أساسا يتركب من ثلاثية الجسد – الروح – العقل، وعليه فبيولوجيا الانسان بشقيْها المحسوس (الجسد) وغير المحسوس (الروح – العقل) تتماسْ وتتداخل مع هذه الثلاثية الفريدة المُتمظهرة ماديا في الجسد، وروحيا في الروح، وعقليا في العقل. ولكي نصل إلى  معرفة جوهر وكنْه بيولوجيا الإنسان المعقّد يجب علينا ادراك هذه الجوانب الثلاثة والإحاطة بها دون استثناء. ولكي نختصر الطريق، فلنْ نخوض في مسألة الروح والعقل لعدم امتلاكنا للنّصاب العلمي والمعرفي – الكتلة الحرجة - الكافي لسبْر غورهما. إذا حديثنا سينحصر فقط في الجانب المادي من الثلاثية – أي الجسد – دون غيره. والجسد وما يحويه من الشق المادي للبيولوجيا يتراوح في الأبعاد الطولية من النانوميتر في الصغر (DNA)– إلى تقريبا 170 سنتيمتر كمتوسط لطول جسم الإنسان. وبما أن الإنسان كائن حي متحرك يتفاعل مع محيطه على مستوى اللحظة الزمنية الفورية، وباستمرار دون توقف منذ تكوّنه ونشأته من نطفة أمشاج إلى أن يتذوّق طعم الموت، هذه الحركية الديناميكية المتفاعلة تعني بالضرورة تماسّها و تداخلها مع بعدي الزمن (temporal)، والمكان (spatial). وبتداخل عنصري الزمان والمكان، وبالنظر إلى الديناميكية الحركية لبيولوجيا الإنسان مقارنة بالبعد الزمني للحركة نجدها – أي الديناميكية الحركية - تتغير بدقة وانضباط على حسب المستوى المكاني الذي تجرى فيه العملية الفسيولوجية الوظيفية. ومن الوظائف الفسيولوجية على المستوى الجزيئي الخلوي مثلا حدوث ما يعرف بتكرار مادة DNA (DNA replication)، أو استنساخه داخل الخلية (DNA transcription)، أو عملية التعبير الجيني (gene expression)، أو غيرها من الوظائف الجزيئية الخلوية التي يصعب حصرها. أمّا على مستوى الخلية نفسها فتحدث عمليات وظيفية كثيرة متعدّدة لا يمكن حصرها أيضا مثل انقسام الخلية (cell mitosis)، أو تكاثرها (proliferation)، أو تمايزها (differentiation)، أو هجرتها (migration)، أو انتهاء وظيفتها ودخولها في عملية موت مبرمج (cell apoptosis). 

كل هذه العمليات الوظيفية الديناميكية المتعدّدة والمعقّدة، والتي تحدث على مدار اللحظة الزمنية الفورية في بعد مكاني نانومتري أو ميكرومتري تتطلّب تناغم دقيق بين سرعة الحركة وأداء الوظيفة المطلوبة في  المستوى المكاني المعين. فلو أمعنا النظر في ترابط البعد الزمني مع أداء الوظائف المختلفة باختلاف المستويات المكانية المتواجدة فيها نجد أن سرعة الحركة للآلات النانوية أو الميكرومترية تتغيّر تغيّرا عكسيا مع المستوى المكاني لها. فكلما كانت العملية الفسيولوجية المطلوبة تحدث في البعد المكاني النانومتري (nano-scale) كلما زادت السرعة الزمنية لأداء الوظيفة، والعكس بالعكس تماما. وهنا يمكن ان نطلق عليه أو نرمز له بالطيف الديناميكي (dynamic spectrum) الحركي. فتصّور معى مدى التعقيد البيولوجي للإنسان على المستويات النانوية الجزيئية (nano-scale)، والميكرومترية الخلوية (micro-scale)، والمترية للأعضاء والجسم بأكلمه (macro-scale). فالحركة البيولوجية الزمنية تكون ديناميكية ومتناهية في السرعة على مستوى النانو (المستوى الجزيئي) ، وأقل ديناميكية على المستوى الجزيئي (الخلية والأنسجة)، وأقل ديناميكية على المستوى الكلي (الجسم). فالطيف الديناميكي على مستوى الجسم (macro-scale) يقع قريبا من حافة السكون مقارنة بالطرف عالى السرعة الذي يقع على الجانب الآخر النانومتري (nano-scale). وفي المقابل، وكلما اتجهنا في الاتساع الكوني نحو المجرّات (galaxy-scale) كلما زادت سرعة الأشياء أيضا. فالإنسان يظل هو المحور أو المرجع الذي يرتكز عليه الكون زمانا ومكانا، حركة وسكونا. فالسرعة الحركية لبيولوجيا الإنسان يتم تقديرها وتعديلها وضبطها حسب مستوياتها المكانية وأحجامها المختلفة بشكل مثالي ودقيق ومتطابق تماما مع البعد الزمني للكون (circadian rhythm). هذا التعقيد الحركي الديناميكي لبيولوجيا الإنسان وارتباطه الوثيق مع حركة الزمن الكونية وتغيّر سرعته ونبضه بتغيّر المستوى المكاني للعملية أو الوظيفة الفسيولوجية المراد انجازها يتوازى تماما مع الترابط الشبكي المعقّد لهذه الآلات أو الماكينات النانومترية (nano-machines)  الموزعة بين جميع خلايا وانسجة واعضاء الجسم البشري، البيولوجيا المادية - إذا جاز التعبير (physical biology). لقد أسفر التقدم الهائل في علوم الجينوم الطبي وغيره من المجالات البيولوجية والتكنولوجية الاخرى عالية الآداء بما فيها المعلوماتية الحيوية والذكاء الاصطناعي في العقدين الماضيين عن توفر أحجام وأرقام ضخمة، لم يسبق لها مثيل، من البيانات المتنوّعة المعقّدة المتاحة الآن، والتي يطلق عليها بالعصر الرقمي (digital era). وتتنوّع هذه البيانات الهامة بتنوّع مستوياتها الزمنية اللحظية الفورية والمكانية المختلفة، بدأ من البيانات البيولوجية والوراثية المعقّدة لكل إنسان (البصمة الوراثية)، مرورا بالبيانات البيئية المحيطة به، بالاضافة إلى البيانات الخاصّة بسلوكه ونمط حياته اليومي المتمثل في نهج الأكل والشرب، ونوع الطعام، والنوم، وممارسة الرياضة، مرورا بشبكات تواصله الاجتماعي (الحقيقي والإفتراضي)، وصحّته النفسية والعقلية، انتهاء بإيمانه وممارسة شعائره الدينية من عدمه. تلك البيانات الهامة (شبكة البيانات الضخمة المعقّدة المتغيّرة) يصعب الإحاطة بها وتخزينها ومعالجتها وتفسيرها وفهمها الفهم الصحيح. ومن أكبر التحديات التي تواجه العلماء والباحثون لفهم بيولوجيا الانسان هو التغير الديناميكي الفوري المستمر لهذه البيانات المتنوعة الضخمة على مدار اللحظة الزمنية. وعلى الرغم من التقدم التقني الهائل في مجال المعلوماتية الحيوية  (bioinformatics)، والبرمجيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي للتعامل مع هذه البيانات الضخمة المتنوّعة والمتغيّرة  وإدارتها باقتدار – كما قلنا – يظل هذا التقدم لازال قاصرا في سبر غور هذا التعقيد البيولوجي وادراكه. لذا تم ابتكار ما يعرف بسُحُب البيانات (data clouds)، لتخزين البيانات الضخمة (big data)  البيولوجية للإنسان والبيئية المحيطة به، وسلوكياته واختياراته اليومية المتنوعة في دراسات بحثية طولية (longitudinal research studies)، يتم فيها تجميع هذه البيانات في مدد زمنية محددة - كل ثلاثة أو ستة اشهر تقريبا - تمثيلا أو محاكاة أو رصدا لحركيتها وتغيّرها الديناميكي السريع، وقد اطلق عليها (dense dynamic data clouds)، التي تحتوي على ملايين من البيانات البيولوجية (data points) للإنسان، لكن في الحقيقة هذه البيانات الديناميكية الكثيفة  (dense dynamic) المُنْتجة من التعقيد البيولوجي للإنسان من خلال اجراء الدراسات البحثية الطولية لا تعبّر أصلا، ولا تقترب بتاتا، ولا تمثّل أو تحاكي تماما، الديناميكية الفورية الحقيقية لبيولوجيا الإنسان. فهذه البيانات الضخمة المكثفة التي يتم تجمعيها باجراء دراسات بحثية طولية ماهي في الحقيقة إلا لقطات (snapshots) لبيانات ساكنة/ثابتة تعبر عن لحظة زمنية معينة فقط مغايرة تماما للّحظة الزمنية التي قبلها، واللّحظة الزمنية التي بعدها. إذا هذه اللقطات المنتوعة  من البيانات المليونية التي يتم تجميعها وتخزينها ومعالجتها وتفسيرها فيي دراسات بحثية طولية في مدد زمنية محددة لمحاكاة التغير الديناميكي للبيولوجي الفوري، ماهي في الحقيقة إلا لقاطات ساكنة متعددة (multiple static snapshots)، تفتقر إلى الحركية الفورية بالمعني الحقيقي (real-time)، كما تفتقر – وهذا الأهم - للمعلومات المهمة الخاصة بتفاعل العناصر المختلفة فيما بينها (التفاعلات البينيّة) داخل منظومات البيولوجيا المادية، والمكوّنة لهذا المنتج من البيانات الضخمة المتنوّعة، وفوق هذا وذاك – في تصوري – لا يمكن اخضاع البيولوجي ودراسته وتحليله في الوقت الحقيقي له (real-time analysis)، لأن البيولوجي يعني الكائن الحي (living organism)، والكائن الحي يعني الروح، والروح لا تخضع لمعطى الزمن، أي لا تتأثر به ولا تخضع له. فالذي يخضع للبعد الزمني من ثلاثية الجسد – الروح – العقل هما الجسد والعقل فقط، ومن خلالهما يمكن قياس تأثير الزمن عليهما بمقارنة العمر البيولوجي  (biological age) للإنسان مع العمر الزمني الحقيقي له (chronological age) الذي يقاس بتاريخ ميلاده إلى اللحظة التي يتم فيها اجراء المقارنة بين العمرين البيولوجي والزمني. إذا يمكننا القول بأن هذه اللقطات المتعددة للبيانات الثابتة (multiple static snapshots)، - من وجهة نظر ديناميكية - تشبه الشّخص الذي يرسم أو ينقش صورة على رمال الشاطئ ثم يلتقط صورة لرسوماته بكاميرا فوتوغرافية، ثم بعد ذلك في ثوانٍ أو دقائق، تأتي موجة بحرية جديدة تمسح رسوماته. لذلك، فإن شكل الرسومات أو نقشها لن يكون موجودًا على سطح الرمال بعد ان مسحته الموجات البحرية المتوالية، وبالتالي تلك اللقطات أو الرسومات الثابتة الملتقطة بالكاميرا لا تمثل حقيقة الصور البيولوجية الديناميكية اللحظية الفورية المستمرة المتعاقبة تباعا والمتداخلة مع البعدين الزماني والمكاني. 

ثم ان استخدام لوغاريتمات ونماذج المعلوماتية الحيوية (bioinformatics)، والذكاء الاصطناعي يعتمد أساسا على وثوقية المعلومة المُدْخلة وجوْدتها تحت ما يعرف بالمدخلات والمخرجات (garbage in garbage out, GIGO). بمعنى البيانات الناتجة هي محصول لبيانات مدخلة ابتداء. فاستخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل بيولوجيا البيانات ونمْذجتها وتوقعاتها المستقلبية يعتمد بالأساس على وثوقية المعلومة المدخلة وجودتها. وبالنظر إلى الكم الهائل للمعلومات البيولوجية للإنسان، والمعلومات البيئية المحيطة به، بالإضافة لبيانات خياراته وسلوكياته اليومية المتنوّعة، تظل هذه البيانات تشتمل فقط على البيانات التي يمكن رصدها وقياسها كميّا، لكنها لا تحتوي على البيانات الاخرى غير المقاسة أو المرصودة كميّا مثل المعلومات التي تتعلّق بالجوانب النفسية والروحية له مثل فرحه وحزنه، تفاؤله وتشاؤمه، استبشاره وتبرّمه، حبّه وكرهه، حلمه وغضبه، انبساطه وانقباضه، وهكذا دواليك. كل هذه البيانات المتنوّعة الأخرى غير القابلة للقياس، لها تأثير كبير في بيولوجيا الانسان. فالبيانات الكثيفة  (dense data) التي تم جمعها هي في الأساس بيانات مادية كمية مثل بيانات الجينوم، والبروتيوم، والميتابولوم، والميكروبيوم، وكيمياء الجسم، وخيارات نمط الحياة، وأنماط النوم، ومعدل ضربات القلب، وضغط الدم التي تقاس من خلال الأجهزة اللاسلكية القابلة للارتداء (fitbit) وما إلى ذلك. أخلص وأقول بأن مناهج البحث والتطوير في مجال ابحاث علوم الحياة وفي مقدمتهم ابحاث الطب الحيوي لاتزال قاصرة – إلى هذه اللحظة - في فهم وإدراك وتخيّل التعقيد البيولوجي للإنسان، وكذلك لا تتوفر إلى الآن التقنيات المتقدمة التي يمكن لها محاكاة (mimicking) بيولوجيا الإنسان، والتي في تصوري لن تدرك أبدا. "هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ".

Comments
Info