Feed Item

قبل أن نخوض في الإجابة عن هذا السؤال المحوري المتشعب، علينا أولا ان نتعرف على انواع المناهج العلمية المعمول به حاليا في حقول العلوم المختلفة. فهناك تقريبا ثلاثة أنواع من المناهج العلمية المستخدمة حاليا في البحث والتطوير في حقول المعرفة. أولها المنهج الاختزالي (Reductionism)، وثانيهما المنهج الشمولي الكلي (Holism) في البحث العلمي، وثالثهما المنهج الذي يجمع بين الاثنين معا، أي بين المنهج الاختزالي والمنهج الشمولي (Hybridism) إذا جاز التعبير، أي بمعنى المنهج المزاوج بين المنهجين الاختزالي والشمولي. 

فالمنهج الاختزالي ويسمى أيضا بالمنهج التحليلي التفكيكي (Analysis, to take apart) ، هو المنهج الذي يبدأ بدراسة الموضوع أو المشكلة أو القضية المراد فهمها إلى أجزاء صغيرة ثم يتم دراسة هذه الأجزاء بمعزل عن محيطها (الكل)، باعتبار ان مجموع الاجزاء يساوي الكل. فالمنهج قائم او يعتمد اساسا على المكونات الصغيرة المنفصلة عن بعضها البعض والمعزولة المكونة للكل، وهذا المنهج يذهب في مسار خطي حتمي واحد بحيث يربط ربطا وثيقا بين السبب والنتيجة (التأثير) أي بمعنى منهج يهتم بثنائية السبب والنتيجة (cause-effect)، وعادة ما يذهب في البحث في العمق ليصل إلى الاجزاء المتناهية في الصغر (micro-level) من أجل محاولة ايجاد سبب واحد لتأثير واحد أو نتيجة واحدة.

 وهذا المنهج ساكن بطبيعته، أي غير متحرك، يهتم أساسا بالسؤال التالي: كيف تكونت أو تركبت الظاهرة؟ أي يدرس شكل الظاهرة التشريحي التركيبي الصرف (structure) ، ولا يهتم بالوظيفة (function). ويؤدي المنهج الاختزالي في آخر المطاف الى التشظي والتفكك للظاهرة المراد دراستها. وهو منهج ملائم جدا لدراسة كل ما هو غير حي (non-living) ، فهذا المنهج مهم جدا لدراسة الظواهر الطبيعية غير الحية مثل علوم الأض، والمياه والبحار والمحيطات والجبال والتضاريس، وفصول السنة المختلفة، وعلوم الكيمياء والفيزياء، ودراسة ظاهرة الاحتباس الحراري وما ينتج عنه من مشاكل بيئية وغيرها. كما انه منهج مهم جدا في دراسة ما يتعلق بدراسة تشريح الإنسان و الاعضاء والانسجة والخلايا (Anatomy and Histology) ليعمل على وصفها ورسمها دون الاهتمام بالجانب الوظيفي لها أي لا يهتم بدراسة علاقة هذه الخلايا والانسجة والأعضاء بعضها ببعض وظيفيا. وأخيرا هو منهج ينحو نحو التبسيط ويبتعد عن التعقيد.

 وفي المقابل، هناك المنهج الشمولي الكلي، ويعرف بالمنهج التوليفي أو التجميعي (Synthesis, to put together)، وهو عكس المنهج الاختزالي التفكيكي، فهذا المنهج يعتمد أساسا على تجميع الأجزاء الصغيرة للموضوع أو الظاهرة المراد دراستها، وربط الأجزاء بعضها ببعض في سياق غير خطي شبكي (Network)  مترابط ودوري مع الاهتمام بدراسة حلقات التغذية الاسترجاعية (feedback loops) التي تعمل على تشكيل الظاهرة على المستوى الكلي (macro-level) في نسق ديناميكي حركي تطوري مستهدفا الوصول إلى ربط أسباب عديدة لنتيجة واحدة أو تأثير واحد . وهذا المنهج يهتم بدراسة الاوزان النسبية لتفاعل اجزاء الكل بعضها مع البعض، ومدى تفاعلها فيما بينها وبالتالي تأثيرها على المنظومة بأسرها. فهو بالضرورة يهتم بدراسة الوظيفة (function) ولا يهتم بدراسة الشكل (structure) . كما ان هذا المنهج مناسب تماما لدراسة الكائنات الحية (living organisms) امتدادا من دراسة الكائنات الحية وحيدة الخلية وصولا الى دراسة الإنسان والحيوان والنبات، بالإضافة لملائمته لدراسة النظم المعقدة (complex systems) غير الحية، وما اكثرها في عالم اليوم وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة وشبكات التواصل الاجتماعي والروبوتات بالإضافة لدراسة الفضاء والكواكب والنجوم وتعاقب الليل والنهار، أي يساعد في فهم الظواهر الديناميكية ..إلخ. فالمنهج الشمولي يتناسب مع توليد وتصميم وابتكار الأفكار الجديدة لايجاد حلول من خارج نطاق الصندوق للمشاكل المتعددة والمعقدة في محيطنا المعيشي اليومي. 

والجدير بالذكر هنا، بأن المنهج الشمولي يؤدي إلى التكامل ويعتمد بالضرورة على ما يعرف بالتفكير المنظومي (systems thinking)  في العلوم باستخدام نماذج ومناهج وأطر متعددة التخصصات. أما المنهج العلمي الثالث هو المنهج الذي يزاوج بين المنهجين الاختزالي والكلي دون إهمال أحدهما، والمنهج الثالث في تصوري هو منهج حديث بدأ التطرق إليه والسير نحوه في العقود الأخيرة وخصوصا بعد انتشار وظهور مايعرف اليوم في عالم الطب بالأمراض غير السارية (غير المعدية) المزمنة، وتعرف ايضا بالأمراض المعقدة (complex diseases) - كأمراض القلب والأوعية الدموية، والسرطان، والأمراض التنفسية المزمنة، والسكري - التي لم تكن من بين الأسباب الرئيسية للوفاة مع نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين. علاوة على ذلك، فإن الأمراض غير المعدية لها اسباب معقدة وجذور لا تزال مبهمة ومتداخلة مع مضامين البيئة الطبيعية، وغير الطبيعية المبنية هندسيا، بالإضافة للظروف والسياقات الاجتماعية والاقتصادية للشعوب والدول.

 بعد هذه المقدمة السريعة في تسليط الضوء على مناهج البحث العلمي. دعنا نعود لأصل السؤال: هل هناك أزمة في المنهج العلمي للعلوم التطبيقية؟ الجواب: نعم هناك أزمة، فأزمة المنهج العلمي ان وجدت فهي مرتبطة بنوع معين من العلوم التطبيقية وليست جميعها. بكل تأكيد هناك ازمة في المنهج العلمي للعلوم التطبيقية وخاصة المنهج العلمي الذي يهتم بأبحاث علوم الحياة (Life Sciences) وفي مقدمتها العلوم الطبية الحيوية. 

لكن قبل الشروع في توصيف الأزمة، دعنا هنا نتطرق إلى تعريف العلوم التطبيقية أولا. فالعلوم التطبيقية هي العلوم التي تهتم بتحويل الأفكار والمعارف الى تطبيقات يستفيد منها بني البشر، أي بمعني اكساب المعرفة أو جانب منها الطبيعة المادية التي من خلالها تتحول الاختراعات والابتكارات الى صور مختلفة في مجال التقنيات المختلفة، كالسيارة، والطائرة، الهاتف، والحاسوب، وآلات بناء المنازل، والطرق، والمستشفيات، والاجهزة التشخيصية والادوية العلاجية وغيرها من الامور التي لا يتسع المقام هنا لذكرها. كل هذه الأشياء المادية الملموسة كانت عبارة عن علوم وأفكار ومعارف تم ترجمتها على أرض الواقع من خلال مناهج البحث والتطوير لتصبح قوالب مادية ملموسة يستفيد منها الناس في شتى مجالات حياتهم اليومية. فالعلوم التطبيقية تشمل على سبيل المثال لا الحصر، العلوم الهندسية، وعلوم الكيمياء، والرياضيات، والفيزياء بفروعهم المختلفة بالإضافة إلى العلوم الصحية/الطبية  التي تستلهم الأفكار من خلال تطبيق علوم الحياة (Life Sciences) في المعرفة والاختراعات الطبيّة. وقد نشأ عن علوم الحياة ما يعرف حديثا بالمحاكاة الحيوية (Biomimetics or biomimicry)  وهي عبارة عن منهج علمي يهتم بنمذجة (Modeling) عناصر وأنظمة متطورة تحاكي طبيعة المخلوقات بغرض حل المشكلات البشرية المعقدة. 

ومن أشهر الأمثلة المعروفة عن المحاكاة الحيوية هو ما يعرف اليوم لدينا بالمجسّات  (sensors) والحواس التي تطبق في الذكاء الاصطناعي والروبوتات. وهذه المجسّات في الحقيقة مستلهمة من الحواس الخمس المعروفة لدينا كالتذوق واللمس والسمع والبصر وغيرها. والجدير ذكره هنا أن العلوم الصحية فروعها كثيرة ومتداخلة ومن أمثلتها علم الأحياء الدقيق، وعلم الأوبئة، وعلم الجينوم الطبي  من خلال مشروع الجينوم البشري  (Human Genome Project)  الذي بدأ مع بداية عام 1990 واعلن عن الانتهاء منه شهر ابريل 2003، وهو مشروع فك الشفرات الجينية (الخارطة الجينية) للإنسان والتعرف على عدد الجينات داخل الخلية البشرية. ويعتبر مشروع الجينوم البشري أكبر مشروع حيوي في تاريخ البشرية الحديث، نتج عنه بروز مجالات وتخصصات علمية جديدة لم تعرف من قبل مثل البنوك الحيوية (Biobanks)، والمعلوماتية الحيوية (Bioinformatics) ، وعلم العينات (Biospecimen Science) ، وعلم البيانات الضخمة (Omics and big data science)، كما أطلقت برامج وتحالفات ومجموعات علمية بحثية كبيرة عابرة للحدود الجغرافية للدول المتقدمة هدفها دراسة العديد من الأمراض المعقدة التي تحصد أرواح الناس، وذلك بدراسة الظواهر الصحية والأمراض المختلفة بشقيها المعدي (الساري) وغير المعدي (الأمراض المعقدة). 

(يتبـــــع)....

Comments
Info