عبدالباسط بوحميدة

  •  ·  Moderator
  • 459 views
عندما نسّبت إلى كلية الطب بنغازي عام 1985م، وبحكم البروتوكول المعروف، وهو إخضاع الطلبة الجدد إلى مقابلة شخصية، سألتني إحدى المنتسبات لحركة اللجان الثورية ـ عضو لجنة المقابلة ـ عدة أسئلة، لتعرف بعدها بأنني لم انتسب لحركة اللجان الثورية قط، ولم أشارك في أي نشاط صيفي لما يسمى بمخيمات الفكر الثوري، ولم يكن لي اهتمام يذكر بأي يشئ يرتبط بمنظومة النظام، كحضور المؤتمرات الشعبية وغيرها. استغربت صاحبتنا هذه بشدة، خصوصا عندما علمت أنني قادم من مدرسة شهداء يناير الثانوية، إذ أسهبت بعدها في تزكية المدرسة، واعتبارها قلعة من قلاع الثورة، وأن تاريخها ناصع في القضاء على الرجعية المتعفنة، وغيرها من الأسطوانة المشروخة إياها. لذا بدت عليها علامات دهشة مصطنعة، ثم باغتتني بعدها بسؤال أدهشني لبرهة، قائلة لي: بما أنك من طلبة شهداء يناير، إذا فلماذا سميت مدرسة شهداء يناير بهذا الاسم؟ الحقيقة ارتبكت في الإجابة، بعد أن تزاحم في فكري: هل سميت المدرسة بهذا الاسم، لارتباطها بأحداث يناير 1964م، أم لارتباطها بأحداث يناير 1976م. الحقيقة الربكة التي غمرتني، أجزم بأنها لوحظت من قبل أعضاء لجنة المقابلة ـ المكونة من 3 أطباء + أختنا الثورية!!. بعد الزحمة الفكرية التي أصابتني ألهمت الجواب الصحيح، بقولي لها بأن المدرسة سميت بهذا الاسم لارتباطها بأحداث يناير 1964م. لم أصدق نفسي حينها بكيفية الهامي الجواب الصائب، فأثناء تزاحم فكري قبل الإجابة، تذكرت وبسرعة، أن صاحب مطعم (مقصف) المدرسة، واسمه سي فهيم، قد التحق بمدرسة شهداء يناير (بنغازي الثانوية سابقا)، كصاحب للمطعم عام 1962، أي قبل عامين من أحداث يناير، فأصبح بعدها أحد معالم مدرسة شهداء يناير الثانوية، واستمر في مهنته هذه لأكثر من 3 عقود متواصلة، حيث تخرج على يديه العديد من الخبرات الليبية في مجالات مختلفة، إلى أن ابتليت إدارة المدرسة بأحد عتاة اللجان الثورية ـ في ذمة الله الآن ـ الذي لم يرتح له بال، ولم يهدأ له قرار، إلا بطرد سي فهيم من المدرسة أوائل التسعينات، ويطمس هذا المعْلم إلى يومنا هذا!! استمر الحوار بيني وبين هذه الثورية اللعوب في حضور صامت لأعضاء اللجنة الآخرين، لتسألني بتأني هل تشاهد التلفاز؟ فاستغربت، وسألتها ماذا تعنين بسؤالك هذا، فقالت لي سؤالي واضح، هل تشاهد التلفاز؟، فأجبتها بنعم. فقالت لي هل شاهدت مذبحة صبرا وشاتيلا؟ قلت لها نعم، فهي مأساة تتفطر لها القلوب. قالت: ما هو السبب برأيك في حدوث مذبحة صبرا وشاتيلا؟ فقلت لها: بأن الصهاينة بالتواطؤ مع فصيل من الفصائل اللبنانية هم من قاموا بذبح الفلسطنيين العزل من النساء والأطفال في مخيم صبرا وشاتيلا، وهذا هو ديدن بني صهيون. لم تمهلني طويلا، ففوجئت بعد إجابتي بأنها تقول لي: لا، السبب ليس ما قلت، ولكن السبب هو عدم انخراط المرأة العربية والفلسطينة بالذات في برامج التسليح الشعبي، أي بمعنى ان المرأة العربية، ومن ورائها المرأة الفلسطينية لم تعر لبرامج الشعب المسلح أي اهتمام، ومن ثم، فقد تم ذبحها كـالمواشي والخراف. قلت: نعم، كلامك فيه شيء من الصحة. بعدها سألتني سؤالا مباشرا لا مواربة فيه قائلة: إذا ما رأيك في تجييش المرأة في الجماهيرية؟ قلت لها، إذا ما هوجمت ليبيا من قبل أعدائها، ودخل الغازي باغيا، هنا لا بد من أن تشارك المرأة - دون تردد - في حماية الوطن، فتعمل بكل ما أوتيت من قوة، وبأي وسيلة في الذود عن حياض الوطن. في حقيقة الأمر، هذه الإجابة الوافية الشافية لم ترق لها، فتبرمت بوجهها، ولاحظت أن إجابتي فيها نوع من المراوغة، باعتباري سلبياً وبدرجة كبيرة، إن لم تصنفني في قرارة نفسها، بحسباني ليس من الموالين للنظام، إن لم أكن محسوبا على المعارضة الكامنة في الداخل. شعرت أن صبرها معي نفد، لذلك، قامت ووجهت لي سؤالا مباشرا لا مواربة فيه، لا يحتمل وجوها عدة من الإجابات. أي بمعنى سألتني سؤالا، الإجابة عليه، إما بنعم أو بـ لا، أي إجابتين لا ثالث لهما. سألتني بكل مكر ودهاء قائلة: هل توافق على التحاق أختك بكلية الشعب المسلح (الكلية العسكرية)، إذا ما تم تنسيبها إليها بعد حصولها على الشهادة الثانوية؟ هنا، أتركك أخي القارئ مع حدسك للتعرف على إجابتي، ثم رد فعلها وفعل لجنة المقابلة عليها!!... إجابتي في الجزء الثالث، مرفقة أسفل المقالة(*). 
تحدثنا في مقالة "ثنائية الصحة والمرض" عن أن الخلق والكون نشأ على فلسفة الثنائيات (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ)، وأن هذه الثنائيات لا يمكن حصر عددها لكثرتها في عالم الكون والوجود، وأن هذه الثنائيات المتعددة تتفاعل مع بعضها البعض على نمط وجه العملة الواحدة. إذا حضر وجه احدها غاب الوجه الآخر في متوالية متناغمة على مداري الزمان والمكان. وأن حضور أو غياب أحد وجوه هذه الثنائيات المتنوّعة يستغرق أوقاتا متباينة ومختلفة باختلاف ماهية الثنائيات ذاتها. فمنها ما يتغيّر بتغيّر اللحظة الزمنية (الليل والنهار) ومنها ما يستغرق زمن الخلود الأبدي (الجنة والنار مثلا). ومنها ما هو سائد بطبيعته (الأصل) ومنها ما هو متنحي (الاستثناء). وبإسقاط صفة السائد والمتنحي على وجهي هذه الثنائيات نجد أن أحد وجهيها يكتسب الصفة السائدة، والوجه الآخر يكتسب الصفة المتنحية. بمعنى أن أحد وجهي هذه الثنائيات أصيل – هو الأصل، والوجه الآخر هو عارض - استثناء. فلو نظرنا نظرة سريعة على هذه الثنائيات المركبة المتقابلة ـ اي المتضادّة - نجد ان وجه النهار، أو وجه النور هو الوجه الأصيل بينما وجه الليل أو وجه الظلام هو الوجه الاستثناء ـ أي العارض. ومثلها إذا نظرنا في ثنائية الموت والحياة، أو ثنائية الكفر والإيمان. فالأوجه الأولى (الحياة، الإيمان) هي الأصل، والأوجه التالية (الموت، الكفر) هي الإستثناء ـ العارض. وبناء على ما سبق، فالخير هو الأصل والشر هو استثناء، والحسنة هي الأصل، والسيئة استثناء، والآخرة هي الأصل، والدنيا استثناء. والحياة هي الأصل، والموت استثناء، والجنّة هي الأصل، والنّار استثناء. والذكر أصل، والأنثى استثناء، وهكذا دواليك. كما لا تعرف الثنائية الا بوجود وجهان لها، فلا يعرف احد الأوجه الا بوجود وتوالي الوجه الاخر معه في تبادل للأدوار وتضاد محكم بينها حد أو فاصل. وبالعودة إلى ثنائية الصحة والمرض، نستطيع ان نقول بأن الصّحة أو العافية هي الأصل، والمرض هو العارض أو الاسثناء. كما ان هذه الثنائيات الكثيرة في ماهيتها وطبيعتها تتداخل فيما بينها بحيث تعضد احداهما الأخرى. فالأوجه الأصيلة (السائدة) تعضّد وتدعم بعضها بعضا، في مقابل تعاضد الأوجه العارضة (المتنحية - الاستثناء). فوجه الإيمان يدعم وجه الخير، ووجه الخير، يدعم وجه الحسنة، ووجه الحسنة يدعم وجه الجنة، وفي الإتجاه الآخر المتنحّي، تعضّد الأوجه المتنحيّة بعضها بعضا سواء بسواء. فوجه الكفر يدعم وجه الشر، ووجه الشر، يدعم وجه السيّئة، ووجه السيّئة يدعم ويدفع نحو وجه النّار، وهكذا دواليك. وكما تتنوّع هذه الثنائيات في ظروفها الزمانية والمكانية، تتنوع فيما هو محسوس منها، و ما هو معنوي أيضا، وما هو إسم وما هو صفة او نعت. والأهم من هذا وذاك، ان هذه الثنائيات تتنوع بين ما هو جبري قدري، وما هو مخيّر (مختار) يخضع لإرادة الإختيار عند الإنسان.وللتدليل على ما سبق، يمكن القول بأن ثنائية الجنّة والنّار هي ثنائية لظرف مكاني، وثنائية الليل والنهار ثنائية لظرف زماني، بينما ثنائية الدنيا والآخرة تحمل ظرفي الزمان والمكان معا. والثنائيات المعنوية غير المحسوسة تشمل مثلا ثنائية الهدى والضلال، والخير والشر، الكفر والإيمان بينما الثنائيات المحسوسة تشمل ثنائية الحي والميت، وثنائية الذكر والانثي، وثنائية الظلمات والنور، والأبيض والأسود، وغيرها من الثنائيات.وبالنظر إلى الجبري (القدري) والمخيّر (المختار) في هذه الثنائئات فيمكن القول بأن الثنائيات الجبرية تشمل ثنائية الموت والحياة، وثنائية الدنيا والآخرة، وثنائية السّموات والأرض، وثنائية الذكر والأنثي، وثنائية الظلمات والنور، وغيرها. بينما الثنائيات المخيّرة، التي يستطيع الإنسان ان يختار فيما بينها بمحض ارادته دون اجبار هي ثنائية الخير والشر، وثنائية الكفر والإيمان، وثنائية الهدى والضلال، تحت معنى وهديناه النجدين، وبالتدقيق في خاصية الاختيار هذه نجد ان الانسان خلق مجبورا على الاختيار، وليس مختارا في صفة الاختيار.كما يجب ان ننوه إلى ان هناك حافة أو هامش للثنائية (العملة) يقع بين الوحهين، وأن هذه الحافة لا تنتمي لأي من وجهي الثنائئة بحيث تستمر لتدخل حيّزا زمانيا أو مكانيا بقدر الفترة التي تتبدل فيها أوجه الثنائيات. فالفجر هو حافة أو هامش ثنائية الليل والنهار، والبرزخ حافة أو هامش لثنائية الدنيا والآخرة، والشك منزلة أو هامش بين ثنائية الكفر والإيمان، والأعراف منزلة بين منزلتين، أي بين منزلة الجنة والنار. وهو سور عال بين الجنة والنار عليه أهل الأعراف .وهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة ، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار ، فوقفوا هناك حتى يقضي الله فيهم ما يشاء ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته. وبما ان بوصلة المقالة تدور حول ثنائية "الصحة والمرض"، فهذه الثنائية تندرج تحت الثنائيات المحسوسة، المكانية والمخيّرة، بمعنى أن الإنسان يمكن له ان يتحسّس صحته ومرضه، كما يمكن له أيضا ان يلعب دورا كبيرا في استحضار وجه الصحة والعافية له ولمجتمعه الذي يتواجد فيه، وله الاختيار والقدرة في أن يؤخر أو يمنع عنه وجه المرض، وذلك باتباع طرق وآليات وسنن ومناهج تعينه في تمكين عافيته وصحته والمحافظه عليها، ومنع الأمراض عنه. ويمكن الالتفات إلى هذا المعنى في قوله سبحانه وتعالى: (ظَهَرَ الفَسادُ فِي البَرّ والبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أيْدِي النَّاسِ). فالناس هم المسؤولون وحدهم عن فسادهم وصلاحهم  في امور دنياهم وآخرتهم. ورأس الفساد هنا الأمراض بشقّيها المعنوي والحسي، ورأس الصلاح يشمل بالطبع الصحة والعافية. والعافية هنا تشمل كل اوجه العافية الجسمية (الصحة)، والعقلية، والنفسية، والروحية، والأخلاقية، والمالية، والمهنية، والمجتمية، والمكانية. فتعزيز العافية والحفاظ عليها باستجلاب وجهها على حساب وجه المرض يتطلب جهدا جبارا  - يمكن تحقيقه على اعتبار ان ثنائية الصحة والمرض ثنائية اختيارية وليست جبرية قدرية -،  تبدأ بتغيير مناهج التفكير لدينا، وأساليب التعليم والتعلم في مجال الطب الحيوي التي ورثناها في القرنين الماضيين. 
في شهر أكتوبر من عام 2020 مرّت الذّكرى الثلاثون على انطلاق مشروع الجينوم البشري – اكبر مشروع حيوي في العصر الحديث –الذي فُتحتْ به ونشأت من رحمه مجالات وعلوم وتخصّصات علمية مختلفة في علوم الحياة وابحاث الطب الحيوي لم تكن معروفة سابقا. وبهذه المناسبة تم اطلاق مبادرة اخذ آراء مصوّرة (selfies) لبعض العلماء والباحثين الذين أثّروا وتأثّروا بهذا المشروع الإنساني العلمي الضخم، حيث تم تنسيق هذه الآراء بإطلاق المبادرة المصوّرة  (video  testimonials)  من خلال الإجابة على سؤال أو أكثر من الأسئلة الأربعة التالية، والتي قد تساعد في صياغة الإجابة خلال مدة زمنية لا تتعدى دقيقة واحدة:متى سمعت للمرة الأولى عن المشروع الطموح الذي عرف بمشروع الجينوم البشري؟مشروع الجينوم البشري أثر في مجالي العلمي في ... ؟مشروع الجينوم البشري ألهمنى في...؟من وجهة نظري، أهم ثلاث تحولات أو موروث خلّفه مشروع الجينوم البشري هي ....؟لكن قبل أن نشرع في التعرّف على آراء العلماء والباحثين بعد ثلاثة عقود من انطلاقه، دعونا نعرّج قليلا للتعريف بفكرة المشروع، وكيف بدأت، ومتى انطلقت، ومن شارك فيه، وكم رصدت له من ميزانية أولية، وكيف تم الاستثمار في المشروع، ومتى انتهى العمل به والاعلان عن ذلك، وما هي التخصّصات والمجالات والابحاث العلمية التي خرجت من رحم هذا المشروع، ولازالت. بدأ مشروع الجينوم البشري (Human Genome Project, HGP)  في أكتوبر 1990، تحتَ إشراف مكتب الأبحاث البيولوجيّة والبيئيّة التّابع لمكتب العلوم في وزارة الطّاقة الأمريكيّة (DOE)، بالإشتراك مع المعهد الوطني الأمريكيّ للصحّة (NIH)، والمعهد الوطني لأبحاث الجينوم البشري (NHGRI).  حيث كانت وزارة الطاقة الامريكية مسؤولة خلال النصف الثاني من القرن العشرين تقريبا عن ابحاث ودراسات معمقة عن الأخطار المحتملة على صحة الانسان نتيجة للتوسع في استخدام الطاقة والتقنيات المولّدة لها، وركزت ابحاثها بصورة خاصة على مدى تأثير الإشعاع الذري على الكائنات الحية بما فيها الإنسان، وخصوصا بعد كارثة هيروشيما ونجاساكي. فقد كشفت الدراسات الأولية ان هناك تغيرات طفيفة تحدث لمادة الحمض النووي (DNA)، الذي يعتبر الخارطة الزرقاء (blueprint)، الذي يحمل الشفرة الوراثية المسؤولة عن الوظائف الحيوية والبنائية لجسم الإنسان. وهنا بدأت بوصلة البحث العلمي تتجه نحو الاستمرار في فك ألغاز هذا العدد الهائل من المورثات الجينية بغرض معرفة ما يترتب عليها من تغيرات تؤدي إلى الأمراض، وذلك بتتبع ومعرفة وظيفة كل جين، وما تسببه الطفرات الجينية فيه من أمراض وعلل. ومن هذا المنطلق، وفي عام 1984 تحديدا طرح سؤال محوري من قبل اللجنة العلمية لوزارة الطاقة واللجنة الدولية للوقاية من الطفرات والمسرطنات البيئية عن مدى اهمية تعيين ومعرفة سلسلة الجينوم البشري (DNA sequence)؟، وكيف يمكننا تحقيق ذلك من خلال استخدام التقنيات الجزيئية الحديثة، بحيث يمكننا بعدها من معرفة الطفرات الجينية المسرطنة الناتجة من الإشعاع النووي. فأصل فكرة المشروع هو الحصول على نسخة دقيقة من المخطوطة الوراثية الكاملة للإنسان السليم، وبعدها يتم مقارنتها بالخرائط الجينية للناس المصابين بالأمراض السرطانية وغيرها من الأمراض ليتم بعدها تحديد الطفرات الجينية المتنوعة التي تصيب الإنسان المصاب بالمرض والعمل على علاجها. وبعد جدل واسع بين الأوساط العلمية على مختلف المستويات التشريعية والتنفيذية والمالية خلال منتصف الثمانينات من القرن الماضي، فقد استقر الإجماع في نهاية المطاف على أننا يجب أن نخطو في هذا الاتجاه، وبناء عليه، تم تأسيس منظمة الجينوم البشري (Human Genome Organization, HUGO)، بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1988م.، كان هدف هذه المنظمة الدولية هو حل شفرة كامل الجينوم البشري. وفعلا بدأ العمل رسميا بمشروع الجينوم البشري (HGP) في اكتوبر عام 1990 على ان يستغرق تنفيذه مدة زمنية قدرت بـ 15 عاما، لكن التطورات التكنولوجية الهائلة عجلت بالانتهاء منه قبل موعدهِ المحدد لهُ بسنوات. فأعلِنَ عن النّسخة الأولى من الجينوم في سنة 2000، وعن النّسخة الكاملة في سنة 2003، كما أنّ هنالك تفاصيل وتحاليل أدقّ ما زالت تُنشَر حتّى هذهِ اللّحظَة، مع ملاحظة أن معظم الأبحاث التي ساهمَت في تحليل الجينوم تمَّت في مختبرات الجامعات والمراكز البحثيّة الأمريكيّة، بالإضافَة إلى مشاركة دولٍ أخرى مثل بريطانيا، اليابان، فرنسا، ألمانيا، وإسبانيا. وقدرت الميزانية الأولية للمشروع بمبلغ قدره ثلاثة مليار دولا تقريبا، وقد شارك في هذا المشروع اكثر من 1000 باحث وباحثة تقريبا من دول العالم. وطبقا لظاهرة قانون  مورو (Moore’s law) في نزعة انخفاض اسعار التقنيات الدقيقة بمرور الزمن، فقد بدأ مشروع فك الشفرة الجينية للإنسان بتكلفة ضخمة قدرت بالمليارات استغرقت سنوات عديدة من العمل المضني ليتم بعدها الاستثمار والتطوير في تقنيات الجيل التالي من التسلسل الجيني لتنخفض تكلفة فك الشفرة الجينة إلى 1000 دولار تقريبا، وجاري العمل حاليا لتخفيضها في السنوات المقبلة ليصبح سعر فك الشفرة الجينية لأي شخص تصل حوالي 100 دولار أمريكي، لا تستغرق من الوقت إلا ساعات قليلة فقط. لذلك علق احد العلماء المشتغلين في مشروع الجينوم قائلا: لو تم الاستثمار في عالم صناعة السيارات كما تم الاستثمار في تقنيات التسلسل الجيني لأصبح سعر السيارات الفارهة مثل سيارة لومبرغيني، وفيراري، أو مرسيدس مثلا حوالي 10 سنتات للسيارة الواحدة. كما يجب التنويه إلى ان مشروع الجينوم البشري المشار إليه أعلاه يعرف بمشروع الجينوم البشري المقروء (HGP-read)، وأن هناك مشروعا آخرا موازيا له انطلق في شهر يونيو من عام 2016، يسمي بمشروع الجينوم البشري المكتوب (HGP-write) رصدت له ميزانية قدرت بـ مائة مليون دولار امريكي، تشرف عليه مؤسسة بحثية أمريكية غير ربحية تعرف بمركز التميز في الهندسة البيولوجية  (Center of Excellence for Engineering Biology) الهدف منه اعادة تركيب مادة الحمض النووي والتسلسل الجيني في خطوط خلايا مزروعة  (cell lines) لإنتاج جينوم خال من الطفرات الجينية، ومقاوما للأمراض الفيروسية وغيرها. أي بمعنى صناعة وانتاج مادة وراثية خالية من الطفرات الجينية. وعلى اعتبار ان مشروع الجينوم البشري أكبر مشروع حيوي في تاريخ البشرية الحديث، نتج عنه بروز مجالات وتخصصات علمية جديدة لم تعرف من قبل مثل البنوك الحيوية (Biobanks)، والمعلوماتية الحيوية (Bioinformatics) ، وعلم العينات (Biospecimen Science) ، وعلم البيانات الضخمة (Omics and big data science)، كما تم الاستعانة بالذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة والدفاتر الرقمية (blockchains)، ودخول مايعرف بانترنت الاشياء  (IoTs) وغيرها لينتعش سوقها على ضفاف المشروع، كما أطلقت برامج وتحالفات ومجموعات علمية بحثية كبيرة عابرة للحدود الجغرافية للدول المتقدمة هدفها دراسة العديد من الأمراض المعقدة التي تحصد أرواح الناس، وذلك بدراسة الظواهر الصحية والأمراض المختلفة بشقيها المعدي (الساري) وغير المعدي (الأمراض المعقدة). كما تقدمت علوم أخرى كعلوم الطب الشرعي وطب الكوارث، وعلوم النباتات، وعلوم البيئة، وصناعة الوقود الحيوي، والصناعات الدوائية، والزراعية، والتغذية، والانثروبولجي وغيرها. كل هذه العلوم والمعارف تكونت أو تطورت – بلا منازع - من رحم مشروع الجنيوم البشري بشقيه المقروء والمكتوب.بعد هذا التقديم المبتسر عن المشروع، دعونا نعود للإطلاع على آراء العلماء والباحثين الذين احتفلوا بالذكرى الثلاثين للمشروع. ويمكننا تلخيص آرائهم المتنوعة في الكلمات والجمل التالية:المشروع غيّر من مجال الطب الحيوي وعلوم الحياةالمشروع غيّر من طريقة تعامل الناس وتعاطيهم مع الأدوية العلاجية (pharmacogenomics)أسّس المشروع لما يعرف اليوم بالطب الشخصي (personalized medicine)المشروع سيكون العمود الفقري لطب القرن الحادي والعشرين  (backbone of 21st century medicine)تغير مفهوم مجال علم الوراثة الكلاسيكي التقليدي  (traditional genetics)التركيز وتسليط الضوء على الجوانب الأخلاقية والقانونية والإجتماعية للأبحاث العلمية (ELSI implications)بروز ما يعرف اليوم بعلوم البيانات الضخمة  (big data science)التسريع في انجاز مشاريع التنميط الجيني للناس Genome-Wide Association Studies (GWAS) ومعرفة استعدادهم وقابليتهم للاصابة بالأمراض المختلفةترسيخ وتشجيع مبدأ مشاركة البيانات البحثية بين الباحثين والعلماء (data sharing concept)انتشار ظاهرة مراكز معالجة البيانات الضخمة وتخزينها (data repositories/centers)بروز ظاهرة المجموعات البحثية والعمل الجماعي ذو التخصصات العلمية المختلفة (multidisciplinary research groups)التركيز والاهتمام بقضية الملكية الفكرية للأبحاث لتنوع التخصصات وفرق العمل المنفذة للمشاريع البحثيةكما كانت هناك آراء شخصية ركزت على تمكين المشروع لهم من مقابلة الكثير من العلماء و الباحثين ، وحضورهم للمؤتمرات والفعاليات العلمية بالمشاركة والمناقشة مع اهل الاختصاص في اغلب مجالات علوم الحياة والطب والحيوي في جميع انحاء العالم الفسيح.كانت هذه باختصار شديد آراء العلماء والباحثين الذين شاركوا في الإدلاء بآرائهم حول أهمية مشروع الجينوم البشري في الذكرى الثلاثين لإنطلاقه. لكن مع هذا، والعجيب أن أحدهم لم يتطرق ولو بكلمة واحدة عن عظمة الله سبحانه وتعالى في خلقه وتدبيره (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ).و للإطلاع على المزيد من الآراء المسجلة للعلماء والباحثين في الذكرى الثلاثين لإنطلاق المشروع ، يمكن النقر على الروابط التالية:https://www.google.com/search?safe=strict&tbm=vid&sxsrf=ALeKk03X1MNKKtcbkjGH7j0ingnft2cclw:1612340893171&q=Human+Genome+Project+30th+Anniversary+Selfies:+Marco+Marra+(Part+1+of+2)&sa=X&ved=2ahUKEwiVw8bxpc3uAhWLZMAKHQ3WBMoQ8ccDKAR6BAgDEBY&biw=1228&bih=570&dpr=3.13https://www.genome.gov/player/8qckKQanro/PL1ay9ko4A8slFIfl9qFW8awo-ml33HC0Pأختم المقالة بطرح رأي الشخصي المتواضع في مشروع الجنيوم البشري، والفائدة التي استفدت منها خلال مسيرتي في البحث العلمي في مجال الجينوم والسرطان والبنوك الحيوية لفترة زمنية تدنو من ثلاثة عقود تقريبا.منذ أن تعرّفت على المشروع واطّلعت عليه، تم توسيع مدارك التفكير عندي في علم الأحياء والطب الحيويمن خلال المشروع أدركت مدى التعقيد البيولوجي للإنسان الذي يتجاوز خيالنا وإدراكنا وتصورناالمشروع سمح لي بالتفكير خارج نطاق الصندوق وتعزيز التفكير النقدي لديبعد الفهم العميق وتفاعلي البحثي اليومي مع اجزاء من المشروع في ابحاث السرطان، أدركت أن مشروع الجينوم البشري لن يكون حلاً سحريًا أو أداة مؤثرة في طب القرن الحادي والعشرين.التعقيد البيولوجي لبيولوجيا الإنسان يحدْ من مبدأ السببية للأمراض (complexity limits causality)نجح مشروع الجينوم بشكل رئيسي في فهم والتعرف على الجزء المادي من تسلسل مادة DNA والجينات الناتجه عنه  (Anatomy of genome)، لكنه عجز عن فهم الجانب الوظيفي (physiology of genome) والتفاعلات الديناميكة البينية بين المادة الجزيئية للبيولوجية المتمثلة في DNA, RNA, Proteinمشروع الجينوم البشري لم يضف شيئا تقريبا في القضاء على الأمراض المزمنة المعقدة (complex diseases)، التي تحصد أرواح ملايين الناس سنويا (non-communicable diseases, NCDs).من خلال المشروع تعرفت على مصطلح الطب الشخصي (personalized medicine)، لكني شخصيا أؤمن بمصطلح العافية الشخصية (personalized wellness)نظرًا لأنه يُعتقد بأن جزءً من الطب الشخصي يمكن تحقيقه من خلال فك شفرة الجينوم البشري، أعتقد أن العافية الشخصية تعتمد بشكل أساسي على عوامل أخرى من خارج ضلع الجينوم.تعزيز العافية الشخصية للأفراد والحفاظ عليها لا يتطلب تماما فك شفرة الجينوم البشري أو التعرف عليها أصلا.هذا والله أعلم وأجل،،،
طال  التسليع (commodification) كل مناحي الحياة تقريبا، والرعاية الصحية ليست استثناء. بل حتى المعرفة ذاتها طالها التسليع وصارت خاضعة لمصطلح السوق (الربح والخسارة).  وعليه يمكننا استيعاب تسليع الأشياء الخدمية المتنوعة التي تلامس رغبات الناس وحاجاتهم (ضروريات، حاجيات، كماليات) كالمسكن والملبس والمركوب، لكن ان تطال أهم وأعز ما يملكه الإنسان وهو صحته وعافيته، فهذا الحال من الارتكاس والحمأة يتخطى تصور الإنسان السّوي ذو الفطرة السليمة. وإذا ما امعنّا النظر جليّا، فسنلاحظ أن جوهر  ومحرك التسليع أو البوصلة التي توجه مسار التسليع في أنظمة الرعاية الصحية هي الكلمات المفتاحية التالية: "الخلود" و "ملك لا يبلى" وهي الكلمات التي استعان بهما الشيطان في سياق تخابثه على أبينا آدم عليه السلام ليخرجه هو وزوجه من الجنة. هاتان الكلمتان المفتاحيتان "الخلود" و "الملك" هما المحرك أو البوصلة التي لا زال يستعين بهما الشيطان إلى يومنا هذا في اغواء الناس واحالة حياتهم إلى غمّ وهمْ. فالإنسان مفطور على حب الخلود والتملك، أي بمعنى ان الإنسان بطبيعته يرغب في العيش إلى الأبد، وأن يتملك الاشياء بلا حدود. وفي سياق الملك، يقول ابن خلدون ان الملك ينزع نحو التفرد لا المجموع، أي ان خاصية الملك هي فطرة اصيلة في الإنسان وانها دائما تنزع به نحو التفرد لا المشاركة. أي ان الإنسان وحده يحب ان يملك الاشياء كلها دون غيره من الناس، وهذه الاشياء مشمول فيها حب المال والسلطة والجاه والمقام والدرجة والرفعة وغيرها من الرغبات. وكما اخبرنا النبي محمد صل الله عليه وسلم في هذا السياق بقوله: "لو أن لابن آدم وادياً من ذهب أحب أن يكون له واديان" وهكذا هو الإنسان وهكذا هي طبيعته. وبالعودة إلى انظمة الرعاية الصحية ومن يديرها من كوادر بشرية متنوعة ادارية تخطيطية، وتشريعيه قانونية، وتشخيصية علاجيه، وتعليميه توعويه وغيرها، كل هذا الكادر البشري الذي يقف خلف هذه الصوامع والمؤسسات الصحية يحركها حب "التملك" المال تحديدا، وفي الضفة الأخرى يقف المريض المصاب بالامراض المتنوعة باحثا وراغبا  في "الخلود". وما بين "الخلود" و"الملك"، أو من رحم هذه الثنائية تدار عجلة صناعة الرعاية الصحية وتروج لتصبح أكبر صناعة عرفها الإنسان منذ هبوطه من الجنة ووطأت قدماه الأرض ليستعمرها ويستخلفها. فغاية أنظمة الرعاية الصحية هو جعل الإنسان ان يعيش أطول وقت ممكن، وبصحة جيّدة خالية من الأمراض (to live longer and healthier). وعليه، تطلّب جوهر الرعاية الصحية المتمثل في تشخيص الأمراض وعلاجها إلى التمدد في ابتكار أجهزة تشخيصية وعلاجية متنوعة، وتطلّب أيضا تأسيس مدارس ومعاهد للعلوم الطبية، والطبية المساعدة بأقسامها وتخصصاتها المختلفة كمغذّي ورافد من روافد أنظمة الرعاية الصحية. والجدير بالملاحظه هنا، ونتيجة للتقدم العلمي السريع، أصبحت أنظمة الرعاية الصحية تعتمد أساسا على علوم المختبرات والتقنية المتقدمة، فتشعّب المجال الطبي إلى المزيد من التخصصات الطبية الرئيسية والفرعية. فمنذ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي تقريبا، قفز عدد التخصصات الطبية الفرعية من 40 تخصص طبي إلى أكثر من 120 تخصص طبي مُعْتمد ومرخّص من الجهات الطبية العالمية، ومن المتوقع  مستقبلا أيضا أن تنشأ وتبرز تخصصات طبية أخرى معتمدة على التقنية، والحبل على الجرّار. وبناء على ما تقدم، ومع تزايد التخصصات الطبية المُعْتمدة المتنوعة، أصبح التنسيق بين التخصصات الفرعية أكثر صعوبة. وبهذا، أصبح تعقيد أنظمة الرعاية الصحية مرهقًا عند محاولة تسخير كل تخصص طبي فرعي فردي لصياغة تدخّلات طبية شاملة تناسب المريض ككل. والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه الآن هو: هل مكافحة الأمراض التي تصيب الناس أو استعادة صحتهم وتعزيزها يحتاج هذا الكم الهائل من المتوالية المتوالدة غير المتناهية من التخصصات الطبية المختلفة؟ أم علينا أن نفكر في ايجاد نهج آخر بديل يمكن من خلاله تعزيز الصحة ومنع انتشار الأمراض. سؤال مطروح يحتاج إلى إجابة!!وبالعودة إلى ظاهرة تسليع الرعاية الصحية، وإذا سلّمنا ورضينا بهذه المتوالية المضطردة من توليد اجهزة التشخيص والعلاج داخل منظومة الرعاية الصحية المركزية الخاملة للقضاء على المرض وتعزيز الصحة، نلاحظ أن على اطراف هذا المرض (واحة المرض إذا جاز التعبير) تم التوسع في تسليع تجارات أخرى لا تمت لجوهر المرض – من تشخيص وعلاج -  بصلة تماما مثل التفنن في البناء المعماري للمسشتفى، أو العيادة الطبية، والإهتمام بلوازم جمالية هامشية اخرى جعلت من المستشفيات والمراكز الطبية شبيهة بالأسواق والمراكز التجارية الكبرى التي يرتادها الناس لقضاء أوقات فراغهم في التسوق واللعب والمتعة، حتى خرج علينا في السنوات الأخيرة ما يعرف بالسياحة العلاجية (medical tourism)، و هي إحدى أنواع السياحة التي تتطلب السفر بهدف العلاج أو الاستجمام في المنتجعات الصحية في مختلف بقاع العالم، لتتنافس في هكذا نوع من السياحة العلاجية كبرى دول العالم الغربي. فأدى هذا السلوك الاستهلاكي التسليعي إلى فشل مؤسسات الرعاية الصحية الحكومية ونتج عنه التوجه وبقوة نحو ما يعرف اليوم بمفهوم الخصخصة، لتتحول انظمة الرعاية الصحية إلى مؤسسات ربحية، لينخر التسليع الصحي من ماهية القيم الإنسانية ويؤثر بقوة على عمق العلاقة بين الأطباء ومرضاهم المبنيّة ابتداء على الثقة والإحترام ويدمّرها. كما أنني لا أرغب الخوض هنا في دور  صناعة الدواء كمحرك مهم في تسليع الرعاية الصحية، ولعلنا نفرد له مقالا آخرا نسلط فيه الضوء على ما يعرف حاليا في أوساط المجتع الطبي بهوس أو وهْم الأدوية العلاجية (Drug Illusion).
أرحب بجميع الاخوة والاخوات الجدد الذين انضموا لمنصة "تجربتي" مؤخرا من أجل اثراءها وتطويرها بمشاركاتهم وآرائهم وخبراتهم الحياتية القيّمة. فمنصة "تجربتي" في تصوري هي وعاء أو فضاء الكتروني متميز – غير مسبوق - يستقطب ابناء وبنات ليبيا المهاجرين في جميع بلدان العالم الفسيح باختلاف مشاربهم وثقافاتهم وتخصصاتهم العلمية المتنوعة. فـ "تجربتي" كما أراها هي الشجرة التي تحط عليها الطيور المهاجرة من الليبيين والليبيات لتبادل آرائهم والتغريد بها في كل وقت وحين. فهي إن اردت نادي ثقافي اجتماعي، أو سوق عكاظي يتم فيه خلط كل هذه التجارب والخبرات الليبية المهاجرة للإطلاع عليها ومشاركتها والاستفادة منها على كل الأصعدة.  منصة "تجربتي" ستكون النافذة التي يطل منها الجميع لقطف ثمار جهود الخيرين من ابناء ليبيا المحبين والمخلصين لها، وعندهم الاستعداد النفسي والعقلي والبدني من أجل إعادة المجد والخير والبركة والسؤدد لها، ويومئذ يفرح الليبيون بنصر الله. فالمنصة – كما خطط لها - سيكون لها فرعين، فرع حواري تشاوري يهتم بتبادل الأفكار والتجارب المختلفة لليبيين المهاجرين ومن ثم مشاركتها وتلاقحها والاستفادة منها واستخلاص الدروس والعبر ليهتدي بها رواد المنصة من الجمهور العريض كلما سنحت لهم الفرصة، وفرع آخر - لا يقل - اهمية، وهو الفرع الخدمي الذي يهتم بخدمة أبناء ليبيا في الداخل والخارج. وهذا الشق الخدمي سيتطور بإذن الله تعالى ليصبح منارة يهتدى بها كل حيران يبحث عن اجابة لتساؤلاته واحتياجاته الحياتية اليومية والمستقبلية في العالم الفسيح. كما يمكن ان يتحول الجانب الخدمي من المنصة إلى  "جوجل ليبيا"  كما اقترح احد الاخوة اثناء فترة العصف الذهني لإنشاء المنصة التي بين ايدينا الآن، والتي نتطلع جميعا لاستكمال دواليبها المختلفة. أهلا وسهلا بكم جميعا.
لايزال البحث العلمي ومن خلفه العلماء والباحثون في مجال علوم الحياة وبحوث ودراسات الطب الحيوي يقفون حائرين ومشهدوهين امام التعقيد البيولوجي للكائنات الحيّة، وفي مقدمتهم بيولوجيا الانسان. فجوهر الشق المادي من بيولوجيا الإنسان (البيولوجيا المادية) يتركب ابتداء على المستوى الجزيئي – نقطة احتساب المعطى البيولوجي المادي – من المادة الوراثية المتمثلة أساسا في الـ DNA، RNA، Protein، مرورا بالخلايا والأنسجة، وانتهاء بالأعضاء والجسم بأكمله. ويدخل فيها أيضا كل الشبكات المعقدة والآلات النانوية (nano-machineries)، المسؤولة عن أداء الوظائف الفسيولوجية المختلفة، والمسؤولة أيضا عن عمليات تواصل الجزيئيات فيما بينها داخل الخلايا وخارجها، بالإضافة لميكانيزمات تواصل الخلايا والأنسجة (cell signalling) وتبادل الأدوار التكاملية فيما بينها لتقوم بوظائفها الفسيولوجية على أكمل وجه.  أمّا ما دون ذلك فيدخل تحت مسمى الفيزياء الكمية (quantum physics)، وأمّا ما فوق ذلك فيخرج عن النطاق البيولوجي المادي للإنسان، وهذه الأبعاد أو المستويات الدونية والفوقية مُستثناة من التطرق إليها في مقالتنا هذه. والمستوى الفوقي يشمل المحيط والبيئة التي يتعايش و يتفاعل معها الإنسان بشقيْها الحي والميت، الساكن والمتحرك. فحديثنا عن  الشق المادي من بيولوجيا الانسان يبدأ إذا من مادة الـ DNA، كأصغر عنصر من عناصر البيولوجيا المادية انتهاء بالجسم البشري متكامل الأركان. فالإنسان أساسا يتركب من ثلاثية الجسد – الروح – العقل، وعليه فبيولوجيا الانسان بشقيْها المحسوس (الجسد) وغير المحسوس (الروح – العقل) تتماسْ وتتداخل مع هذه الثلاثية الفريدة المُتمظهرة ماديا في الجسد، وروحيا في الروح، وعقليا في العقل. ولكي نصل إلى  معرفة جوهر وكنْه بيولوجيا الإنسان المعقّد يجب علينا ادراك هذه الجوانب الثلاثة والإحاطة بها دون استثناء. ولكي نختصر الطريق، فلنْ نخوض في مسألة الروح والعقل لعدم امتلاكنا للنّصاب العلمي والمعرفي – الكتلة الحرجة - الكافي لسبْر غورهما. إذا حديثنا سينحصر فقط في الجانب المادي من الثلاثية – أي الجسد – دون غيره. والجسد وما يحويه من الشق المادي للبيولوجيا يتراوح في الأبعاد الطولية من النانوميتر في الصغر (DNA)– إلى تقريبا 170 سنتيمتر كمتوسط لطول جسم الإنسان. وبما أن الإنسان كائن حي متحرك يتفاعل مع محيطه على مستوى اللحظة الزمنية الفورية، وباستمرار دون توقف منذ تكوّنه ونشأته من نطفة أمشاج إلى أن يتذوّق طعم الموت، هذه الحركية الديناميكية المتفاعلة تعني بالضرورة تماسّها و تداخلها مع بعدي الزمن (temporal)، والمكان (spatial). وبتداخل عنصري الزمان والمكان، وبالنظر إلى الديناميكية الحركية لبيولوجيا الإنسان مقارنة بالبعد الزمني للحركة نجدها – أي الديناميكية الحركية - تتغير بدقة وانضباط على حسب المستوى المكاني الذي تجرى فيه العملية الفسيولوجية الوظيفية. ومن الوظائف الفسيولوجية على المستوى الجزيئي الخلوي مثلا حدوث ما يعرف بتكرار مادة DNA (DNA replication)، أو استنساخه داخل الخلية (DNA transcription)، أو عملية التعبير الجيني (gene expression)، أو غيرها من الوظائف الجزيئية الخلوية التي يصعب حصرها. أمّا على مستوى الخلية نفسها فتحدث عمليات وظيفية كثيرة متعدّدة لا يمكن حصرها أيضا مثل انقسام الخلية (cell mitosis)، أو تكاثرها (proliferation)، أو تمايزها (differentiation)، أو هجرتها (migration)، أو انتهاء وظيفتها ودخولها في عملية موت مبرمج (cell apoptosis). كل هذه العمليات الوظيفية الديناميكية المتعدّدة والمعقّدة، والتي تحدث على مدار اللحظة الزمنية الفورية في بعد مكاني نانومتري أو ميكرومتري تتطلّب تناغم دقيق بين سرعة الحركة وأداء الوظيفة المطلوبة في  المستوى المكاني المعين. فلو أمعنا النظر في ترابط البعد الزمني مع أداء الوظائف المختلفة باختلاف المستويات المكانية المتواجدة فيها نجد أن سرعة الحركة للآلات النانوية أو الميكرومترية تتغيّر تغيّرا عكسيا مع المستوى المكاني لها. فكلما كانت العملية الفسيولوجية المطلوبة تحدث في البعد المكاني النانومتري (nano-scale) كلما زادت السرعة الزمنية لأداء الوظيفة، والعكس بالعكس تماما. وهنا يمكن ان نطلق عليه أو نرمز له بالطيف الديناميكي (dynamic spectrum) الحركي. فتصّور معى مدى التعقيد البيولوجي للإنسان على المستويات النانوية الجزيئية (nano-scale)، والميكرومترية الخلوية (micro-scale)، والمترية للأعضاء والجسم بأكلمه (macro-scale). فالحركة البيولوجية الزمنية تكون ديناميكية ومتناهية في السرعة على مستوى النانو (المستوى الجزيئي) ، وأقل ديناميكية على المستوى الجزيئي (الخلية والأنسجة)، وأقل ديناميكية على المستوى الكلي (الجسم). فالطيف الديناميكي على مستوى الجسم (macro-scale) يقع قريبا من حافة السكون مقارنة بالطرف عالى السرعة الذي يقع على الجانب الآخر النانومتري (nano-scale). وفي المقابل، وكلما اتجهنا في الاتساع الكوني نحو المجرّات (galaxy-scale) كلما زادت سرعة الأشياء أيضا. فالإنسان يظل هو المحور أو المرجع الذي يرتكز عليه الكون زمانا ومكانا، حركة وسكونا. فالسرعة الحركية لبيولوجيا الإنسان يتم تقديرها وتعديلها وضبطها حسب مستوياتها المكانية وأحجامها المختلفة بشكل مثالي ودقيق ومتطابق تماما مع البعد الزمني للكون (circadian rhythm). هذا التعقيد الحركي الديناميكي لبيولوجيا الإنسان وارتباطه الوثيق مع حركة الزمن الكونية وتغيّر سرعته ونبضه بتغيّر المستوى المكاني للعملية أو الوظيفة الفسيولوجية المراد انجازها يتوازى تماما مع الترابط الشبكي المعقّد لهذه الآلات أو الماكينات النانومترية (nano-machines)  الموزعة بين جميع خلايا وانسجة واعضاء الجسم البشري، البيولوجيا المادية - إذا جاز التعبير (physical biology). لقد أسفر التقدم الهائل في علوم الجينوم الطبي وغيره من المجالات البيولوجية والتكنولوجية الاخرى عالية الآداء بما فيها المعلوماتية الحيوية والذكاء الاصطناعي في العقدين الماضيين عن توفر أحجام وأرقام ضخمة، لم يسبق لها مثيل، من البيانات المتنوّعة المعقّدة المتاحة الآن، والتي يطلق عليها بالعصر الرقمي (digital era). وتتنوّع هذه البيانات الهامة بتنوّع مستوياتها الزمنية اللحظية الفورية والمكانية المختلفة، بدأ من البيانات البيولوجية والوراثية المعقّدة لكل إنسان (البصمة الوراثية)، مرورا بالبيانات البيئية المحيطة به، بالاضافة إلى البيانات الخاصّة بسلوكه ونمط حياته اليومي المتمثل في نهج الأكل والشرب، ونوع الطعام، والنوم، وممارسة الرياضة، مرورا بشبكات تواصله الاجتماعي (الحقيقي والإفتراضي)، وصحّته النفسية والعقلية، انتهاء بإيمانه وممارسة شعائره الدينية من عدمه. تلك البيانات الهامة (شبكة البيانات الضخمة المعقّدة المتغيّرة) يصعب الإحاطة بها وتخزينها ومعالجتها وتفسيرها وفهمها الفهم الصحيح. ومن أكبر التحديات التي تواجه العلماء والباحثون لفهم بيولوجيا الانسان هو التغير الديناميكي الفوري المستمر لهذه البيانات المتنوعة الضخمة على مدار اللحظة الزمنية. وعلى الرغم من التقدم التقني الهائل في مجال المعلوماتية الحيوية  (bioinformatics)، والبرمجيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي للتعامل مع هذه البيانات الضخمة المتنوّعة والمتغيّرة  وإدارتها باقتدار – كما قلنا – يظل هذا التقدم لازال قاصرا في سبر غور هذا التعقيد البيولوجي وادراكه. لذا تم ابتكار ما يعرف بسُحُب البيانات (data clouds)، لتخزين البيانات الضخمة (big data)  البيولوجية للإنسان والبيئية المحيطة به، وسلوكياته واختياراته اليومية المتنوعة في دراسات بحثية طولية (longitudinal research studies)، يتم فيها تجميع هذه البيانات في مدد زمنية محددة - كل ثلاثة أو ستة اشهر تقريبا - تمثيلا أو محاكاة أو رصدا لحركيتها وتغيّرها الديناميكي السريع، وقد اطلق عليها (dense dynamic data clouds)، التي تحتوي على ملايين من البيانات البيولوجية (data points) للإنسان، لكن في الحقيقة هذه البيانات الديناميكية الكثيفة  (dense dynamic) المُنْتجة من التعقيد البيولوجي للإنسان من خلال اجراء الدراسات البحثية الطولية لا تعبّر أصلا، ولا تقترب بتاتا، ولا تمثّل أو تحاكي تماما، الديناميكية الفورية الحقيقية لبيولوجيا الإنسان. فهذه البيانات الضخمة المكثفة التي يتم تجمعيها باجراء دراسات بحثية طولية ماهي في الحقيقة إلا لقطات (snapshots) لبيانات ساكنة/ثابتة تعبر عن لحظة زمنية معينة فقط مغايرة تماما للّحظة الزمنية التي قبلها، واللّحظة الزمنية التي بعدها. إذا هذه اللقطات المنتوعة  من البيانات المليونية التي يتم تجميعها وتخزينها ومعالجتها وتفسيرها فيي دراسات بحثية طولية في مدد زمنية محددة لمحاكاة التغير الديناميكي للبيولوجي الفوري، ماهي في الحقيقة إلا لقاطات ساكنة متعددة (multiple static snapshots)، تفتقر إلى الحركية الفورية بالمعني الحقيقي (real-time)، كما تفتقر – وهذا الأهم - للمعلومات المهمة الخاصة بتفاعل العناصر المختلفة فيما بينها (التفاعلات البينيّة) داخل منظومات البيولوجيا المادية، والمكوّنة لهذا المنتج من البيانات الضخمة المتنوّعة، وفوق هذا وذاك – في تصوري – لا يمكن اخضاع البيولوجي ودراسته وتحليله في الوقت الحقيقي له (real-time analysis)، لأن البيولوجي يعني الكائن الحي (living organism)، والكائن الحي يعني الروح، والروح لا تخضع لمعطى الزمن، أي لا تتأثر به ولا تخضع له. فالذي يخضع للبعد الزمني من ثلاثية الجسد – الروح – العقل هما الجسد والعقل فقط، ومن خلالهما يمكن قياس تأثير الزمن عليهما بمقارنة العمر البيولوجي  (biological age) للإنسان مع العمر الزمني الحقيقي له (chronological age) الذي يقاس بتاريخ ميلاده إلى اللحظة التي يتم فيها اجراء المقارنة بين العمرين البيولوجي والزمني. إذا يمكننا القول بأن هذه اللقطات المتعددة للبيانات الثابتة (multiple static snapshots)، - من وجهة نظر ديناميكية - تشبه الشّخص الذي يرسم أو ينقش صورة على رمال الشاطئ ثم يلتقط صورة لرسوماته بكاميرا فوتوغرافية، ثم بعد ذلك في ثوانٍ أو دقائق، تأتي موجة بحرية جديدة تمسح رسوماته. لذلك، فإن شكل الرسومات أو نقشها لن يكون موجودًا على سطح الرمال بعد ان مسحته الموجات البحرية المتوالية، وبالتالي تلك اللقطات أو الرسومات الثابتة الملتقطة بالكاميرا لا تمثل حقيقة الصور البيولوجية الديناميكية اللحظية الفورية المستمرة المتعاقبة تباعا والمتداخلة مع البعدين الزماني والمكاني. ثم ان استخدام لوغاريتمات ونماذج المعلوماتية الحيوية (bioinformatics)، والذكاء الاصطناعي يعتمد أساسا على وثوقية المعلومة المُدْخلة وجوْدتها تحت ما يعرف بالمدخلات والمخرجات (garbage in garbage out, GIGO). بمعنى البيانات الناتجة هي محصول لبيانات مدخلة ابتداء. فاستخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل بيولوجيا البيانات ونمْذجتها وتوقعاتها المستقلبية يعتمد بالأساس على وثوقية المعلومة المدخلة وجودتها. وبالنظر إلى الكم الهائل للمعلومات البيولوجية للإنسان، والمعلومات البيئية المحيطة به، بالإضافة لبيانات خياراته وسلوكياته اليومية المتنوّعة، تظل هذه البيانات تشتمل فقط على البيانات التي يمكن رصدها وقياسها كميّا، لكنها لا تحتوي على البيانات الاخرى غير المقاسة أو المرصودة كميّا مثل المعلومات التي تتعلّق بالجوانب النفسية والروحية له مثل فرحه وحزنه، تفاؤله وتشاؤمه، استبشاره وتبرّمه، حبّه وكرهه، حلمه وغضبه، انبساطه وانقباضه، وهكذا دواليك. كل هذه البيانات المتنوّعة الأخرى غير القابلة للقياس، لها تأثير كبير في بيولوجيا الانسان. فالبيانات الكثيفة  (dense data) التي تم جمعها هي في الأساس بيانات مادية كمية مثل بيانات الجينوم، والبروتيوم، والميتابولوم، والميكروبيوم، وكيمياء الجسم، وخيارات نمط الحياة، وأنماط النوم، ومعدل ضربات القلب، وضغط الدم التي تقاس من خلال الأجهزة اللاسلكية القابلة للارتداء (fitbit) وما إلى ذلك. أخلص وأقول بأن مناهج البحث والتطوير في مجال ابحاث علوم الحياة وفي مقدمتهم ابحاث الطب الحيوي لاتزال قاصرة – إلى هذه اللحظة - في فهم وإدراك وتخيّل التعقيد البيولوجي للإنسان، وكذلك لا تتوفر إلى الآن التقنيات المتقدمة التي يمكن لها محاكاة (mimicking) بيولوجيا الإنسان، والتي في تصوري لن تدرك أبدا. "هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ".
وأعني بالباحث هنا تحديدا كل من اشتغل أو يشتغل في مجال أبحاث العلوم الطبية الحيوية (Biomedical Research). وتنقسم مجالات بحوث علوم الطب الحيوي إلى ثلاثة أقسام هي: البحوث الأساسية (Basic Research)، والبحوث المُترْجمة (Translational Research)، والبحوث السريرية (Clinical Research). وكل مجال من هذه المجالات البحثية يهتم بقضايا معينة لتكوين سلسلة متتابعة من الأفكار والخواطر التي تقدح في عقول العلماء والباحثين من حين لآخر، كلّما أذن الله – جلّ في علاه - لتبدأ بعدها عملية إجراء البحوث الأساسية متبوعة بإجراءها في مرحلة الأبحاث المُترْجمة، ليتم بعدها دراستها وتطبيقها في مرحلة البحوث السريرية. وعلى الرغم من هذا، فليس بالضرورة كل فكرة مُبتكرة لابد لها من أن تمر بهذه المراحل الثلاثة المذكورة أعلاه. فالغرض من هذا التقسيم المبسط هو تسهيل عملية الفهم لاستيعاب المراحل المختلفة في مجال البحث والابتكار. لذا، هناك من يرى البحث والتطوير في مجال علوم الطب الحيوي ينقسم إلى بحوث أساسية، وبحوث تطبيقة تشمل (الابحاث المترجمة والابحاث السريرية). فالأبحاث الأساسية غالبا ما تدرس الفكرة بتمعن والعمل على التحقق من صحتها (عالم الأفكار)، بينما الأبحاث التطبيقة تعمل على ترجمة الأفكار المحقّقة المؤكّدة إلى قوالب ونماذج مبتكرة ملموسة يستفيد منها الناس (العالم المحسوس). والجدير بالملاحظة هنا، أن آليات البحث والأدوات التي يستخدمها الباحثون في مجال البحوث الأساسية هي المختبر  (in vitro) أو استخدام كائن حي كالحيوانات مثلا وتعرف بــــ (in vivo)، بينما البحوث التطبيقية بشقيها (المُترْجم أو السريري) فمادتها هو الإنسان نفسه، على اعتبار أنه الهدف النهائي، والمستفيد الأول من منتجات البحث والتطوير والابتكار في مجال علوم الطبي الحيوي. وعادة ما تصاحب البحوث التطبيقية اجراءات تنظيمية أخلاقية صارمة لمنع التساهل أو التلاعب في اجراء هكذا نوعية من البحث العلمي حتى لا يتضرر الناس. على كل، ودون الخوض في التفاصيل، أقول بأنه ليس كل باحث طبيب، وليس كل طبيب باحث، والقليل من يجمع بينهما. فمنشأ الباحث وتكوينه العلمي في مجال علوم الطب الحيوي متنوع ومختلف تماما مقارنة بمنشأ وتكوين الطبيب الممارس المتخصص في الطب. فالباحثون في مجال العلوم الطبية الحيوية يأتون لهذا الحقل العلمي من خلال مرورهم بمسار وتكوين علمي معرفي من تخصصات علمية وانسانية متنوعة، كعلوم الكيمياء، والاحياء، والرياضيات، والفيزياء، والكمبيوتر، والمعلوماتية، الجغرافيا، والحيوان، والفلك، والإجتماع، والإدراك والسلوك، والبيئة وغيرها، وبعضهم قد يأتي من المدرسة الطبية نفسها،  ولا يجانبنا الصواب بقولنا ان الباحثين منشأهم ومجيئهم من جميع دروب العلم والمعرفة الكونية المتنوعة الواسعة. فمن باطن هذه المسارات المعرفية المتنوعة يتكوّن الباحث في مجال الطب الحيوي ويتطور مع الدراسة والبحث والإجتهاد ليتشكّل عنده تصور أو فهم أو فكرة أو خاطرة مُبْتكرة تفيد في علاج الأمراض التي يتعرض لها الناس أو تفيد في تعزيز صحتهم وعافيتهم. وفي المقابل، فمنشأ الطبيب الممارس لمهنة الطب هو الكليات والمعاهد الطبية المنتشرة عالميا (كليات الطب بأقسامها المختلفة)، ليتم اعداده وتكوينه لممارسة مهنة الطب لعلاج الأمراض التي تصيب الناس من خلال مؤسسات وصوامع أنظمة الرعاية الصحية المركزية الخاملة. فالمدى أو الفضاء الذي يستمد منه الباحث أفكاره ورؤاه لترجمتها إلى تطبيقات عملية يستفيد منها الناس لا تحُدّه حدود (الفضاء الكوني)، بينما الفضاء الذي يمارس فيه الطبيب المختص عمله هو المؤسسات المركزية لأنظمة الرعاية الصحية. فبينما الباحث (عالم الأفكار) لا تحده حدود، فعالم الممارسة، في المقابل، محكوم بقوانين، وضوابط، وتعليمات، وسياسات، وبروتوكولات صارمة لا يمكن لأحد (الطبيب) هنا تجاوزها أو اهمال العمل بها، وإلاّ تعرّض للمساءلة القانونية. ولا يُفْهم من كلامي هنا أن الباحث لا يخضع هو أيضا لقوانين وبروتوكولات ضابطة له في مجال البحث والتطوير. لا بالعكس، فما عنيتُه هنا بالتحديد أن الباحث – إذا جاز التعبير – يتصرف تصرف "الحياة المدنية" التي يمارسها الناس دون قيود صارمة محددة، بينما حياة الطبيب وتصرفاته تكون داخل أسوار منظومات الرعاية الصحية التي تشبه المعسكرات والثكنات العسكرية "الحياة العسكرية". فمثلا، لابد للطبيب من مراعاة التراتبية في اتخاذ القرار دون هامش واسع من التصرف، ودون اتخاذ اجراءات تشخيصية أو قرارات علاجية ليس لها أدلة علمية مسبقة (حدائقها الخلفية مراكز البحث والتطوير) تم اعتمادها من هيئات عالمية معتبرة (مثال منظمة الدواء والغذاء) لها سلطة القرار في هكذا نوع من التخصصات الطبية السريرية. أخلص وأقول، أن فضاء الباحث هو الكون باجمعه، بينما فضاء عمل الطبيب هو صوامع انظمة الرعاية الصحية، وأن جوهر البحث العلمي هو التفكر في الفضاء الكوني بينما جوهر الممارسة الطبية هو التنفيذ الخدمي – بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى – داخل أسوار أنظمة الرعاية الصحية المختلفة (الثكنات الصحية). فحياة الباحث حياة "مدنية" مفتوحة بينما حياة الطبيب حياة "عسكرية" مغلقة. وبما أن أقدار الله – سبحانه وتعالى - شاءت لي ان اخوض البحث العلمي في مجال الطب الحيوي ولازلت أمارسه، وقبلها مارست مهنة الطب (طبيب) داخل أقسامه المتنوعة، أقول ودون تجني أن البحث العلمي يرسخ لمفهوم المشاركة والدمقرطه واتساع الأفق وتقبل الآراء المتناقضة والمعقدة وحتى المجنونة منها، بينما ممارسة المهن الطبية تؤسّس للتعصّب للرأي والتفرد باتخاذ القرار، و غالبا ما تنحو بنا نحو الاستبداد و الدكتاتورية. فإذا ما امعنا النظر بدقة مثلا في العلاقة التي تحكم الطبيب بالمريض داخل الثكنة الصحية نجدها  علاقة غير صحية - حتى وإن بدت لنا ظاهرا غير ذلك – فهي ترسخ لثنائية (السّيد والعبد) أو (الشيخ والمريد). فالطبيب هو صاحب الكلمة العليا والكلمة الفصل (السّيد) بينما المريض هو المنفذ لهذه الأوامر دون مناقشة أو اعتراض (العبد). وفي الحقيقة، وحتى لا يفهم من كلامي اني متحامل على الطبيب هكذا في المطلق دون الأخذ بالسياقات والمهام التي تحيط به، فالعلاقة أو الثنائية غير الصحية (Non-healthy relationship)  بين الأطباء ومرضاهم تتأثر سلبا أو ايجابا بتنوع التخصص الطبي الممارس داخل صوامع وأسوار انظمة الرعاية الصحية (دون الخوض في التفاصيل). أختم وأقول من ان هذه الخواطر التي تراودني من حين لآخر، ومن الخبرة البسيطة التي تراكمت لدي منذ عقود ثلاثة خلت لازلت مع غيري ابحث واعْمل النظر هنا وهناك في الفضاء الكوني – مستعينا بالله سبحانه وتعالى - مستخدما المنهج  التفكيري النقدي (Critical Thinking) لإيجاد رؤى ومسارات ومناهج جديدة في البحث والتطوير والابتكار في مجال علوم الطب الحيوي لعلها تنفع الناس. ربما، ولم لا. وما ذلك على الله بعزيز.
أرسل احد الاصدقاء قصيدة شعبية لطيفة معبرة.قام بعض الاخوة والاخوات بإضافتهم عليها القصيدة الأصلية******(( انا خاطري في طلعة..نرفع معاي اسبيزتي والولعةوعالة الشاهي،....نرفع معاي أوجاعي ..نخش بَر خالي لاغنم لا راعي ..حصيري الرملة والوساد ذراعي ..ونسهر علي نار الغلا المندلعة ..ننسي اللي هاين عليه وداعي ..ونجبر عظام الصدر ضلعة ضلعة ..ونا خاطري في طلعة .. وكان رد د.هند الساحلي (بنت الشاعر الدكتور علي الساحلي) وانا خاطري في طلعة ..نخش الخلا بكتاب شعر وشمعة ..نشكي ونبكي للسما المستمعة ..ونمسح دموع العين دمعة دمعة ..نرفع معاي أوراقي .،ونرفع معايا حيرتي واشواقي ..يا حزن يسكن مهجتي واعراقييسقيه كاس المر جرعة جرعة ..نرفع معاي حنيني ..ونرفع معايا، نجر ثقل سنيني ..بالكي الخلا يا صاحبي يواسيني ..ويبقى الونس في غربتي والمرعى ..ويا ناس نبيي طلعة ..******* وهذه إضافتي (محمود زوبي) ناخاطري فبنغازيفي لم شملي بعيلتي واعزازيو بيته على شط البحر هدرازيتمسح على كبدي اللي ملتذعهونا خاطري في طلعة كبدي اللي مشتاقه و تداوي مواجع غربتي الفراقهما يعرفه لفراق لي ماذاقهنيران تصهد في خفا مندلعه .ونا خاطري في طلعه خاطري في ردهلايام عشناهن و ماضي عدافراق وطنا واجع الخاطر كدا ينفس الله ههمه و يمسح دمعه.و ناخاطري في طلعه. فطلعة بروحيبالكي الخلا ايبرد سطير جروحي.يزول الجضر، ننسى سبايب موحيونلقى ونس في احضان عشب ومرعىوياناس نبي طلعه. تداوي ظليمة ناسي و خيبة رجاي فيهم وطولة ياسينجدد حياة الروح يقوى باسيانرتل كتاب ربي انعاود سمعه.وناخاطري في طلعه. 
تهتم ابحاث علوم الحياة (life science research) بدراسة وفهم كل ما هو كائن حي ابتداء من الكائنات الحية المتناهية في الصغر كالبكتيريا مثلا، مرورا بالحشرات و النباتات والحيوانات، لتنتهي بدراسة الإنسان ذلك المخلوق العجيب الفريد من نوعه، والمكرّم من عند الله سبحانه وتعالى. قبل الخوض في هكذا موضوع شائك ومعقّد وممتع في نفس الوقت، يجب علينا التأمّل قليلا، وإقرار أو استصحاب مسلّمات او بديهيات في مجال ابحاث علوم الحياة – عنوان المقالة هذه - وفي مقدمتها ابحاث الطب الحيوي (biomedical research). فأبحاث الطب الحيوي هي التي تستلهم الأفكار المتنوعة لتختبر نجاعتها ومن ثم تعمل على تطبيقها وانتاجها من خلال آليات البحث والتطوير في مجال علوم الحياة الواسع (الكائنات الحية) المتداخل والمتفاعل بتناغم وتكامل مع الكون الفسيح (البيئة) مستهدفة الوصول إلى معارف تفيد في اختراع وابتكار وانتاج تطبيقات، أو توصيات، أو طرق، أو حلول تفيد الإنسان في علاج أمراضه وأسقامه وتعزيز صحته وعافيته، وتحقيق رغباته المادية والمعنوية المتنوعة بتنوع الإنسان والبيئة والحقبة الزمنية التي تواجد فيهما (المكان والزمان). هذه المسلّمات التي قد نغفل عنها في احيان كثيرة بانشغالنا بأشياء أخرى ثانوية قد ينتهي بنا عدم ادراكها او استصحابها إلى حالة فوضوية عبثية لا آخر لها نلحظها حاليا في اغلب مناحي حياة الإنسان بما فيها مجال البحث والتطوير والابتكار. من هذه المسلّمات أن هذا الكون بأجمعه قد سُخّر للإنسان، وأنّه – أي الإنسان - مقدم على كل شئ في الكون بشقيه الحي المتحرك، والميت الساكن والمتحرك ايضا. فمن منطلق ابحاث علوم الحياة فقد تم تسخير كل شئ تقريبا من علوم ومعارف وأدوات وابتكارات لدراسة هذا المخلوق العجيب الفريد والسعي إلى خدمته وارضاءه بكل ما تعني هذه الكلمات من معنى. فعلى سبيل المثال، لقد استخدمت انواع كثيرة من الحيوانات في المختبرات والمعامل بمراكز البحوث والتطوير لمعرفة ماهيّة الأعضاء ووظائفها الفسيولوجية وتركيبها التشريحي من خلال دراسة الخلايا والانسجة، ودراسة حتى التفاعلات الجزيئية على مستوى الجينات والبروتينات وغيرها من اجل استخلاص المعارف واثبات النظريات والأفكار ومحاولة محاكاتها مع خلايا وانسجة واعضاء الانسان. كما تم أيضا دراسة الكثير من المستخلصات الطبيعية النباتية والبحرية لاكتشاف الادوية والبحث عن فاعليتها في علاج الأمراض المتنوعة من خلال دراستها وتطبيقها على نماذج حيوانية او نباتية مختلفة أيضا، وهل بالإمكان استفادة الإنسان منها أو لا. كما أجريت دراسات اخرى - خارج نطاق الكائنات الحية - لتتجه نحو البيئة  المتنوعة المحيطة به من كل جانب لمعرفة تأثيرها على الإنسان ونموّه وتفاعله. كما اتجهت دراسات اخرى نحو معرفة مدى تأثير اختيارات الإنسان اليومية المتباينة من سلوك وتصرف وعلاقات وتفاعل وردود افعال وتأثيراتها على مستواه البدني، أو النفسي أو العقلي له. كل هذه المجالات البحثية المعقدة والمتداخلة وكل هذه المعارف والابتكارت من خلال آليات ومناهج البحث والتطوير بؤرة بوصلتها أو اتجاه بوصلتها هو هذا المخلوق الفريد المكرّم بلا منازع. فكل ما سبق ذكره من اتجاهات متنوعة ومختلفة من العلوم والمعارف تتجه فقط نحو خدمة هذا الإنسان وإرضاءه والعمل على راحته وتمكينه من استخلاف الأرض واعمارها. بعد هذه المقدمة البسيطة، دعونا ندلف إلى أصل المقالة للتعرف على بعض هذه المسلّمات أو البديهيات التي يجب استصحابها والوعي بها ونحن في طريقنا نحو التوسع والارتقاء في عالم المعرفة والبحث والابتكار في علوم الحياة. أول هذه المسلّمات هي ان هذا الإنسان المخلوق العجيب يتركب من ثلاثية فريدة من نوعها: "الجسد – الروح – العقل"، وهذه الثلاثية المتفردة لا تتوافر أو تتواجد إلإ في الإنسان فقط دون غيره من المخلوقات التي نعلمها حتى يومنا هذا ( ويخلق مالا تعلمون). فالكائنات الحية الاخرى كالحيوان والحشرات والنباتات تتكون من جزئين فقط هما: الجسد والروح، أي ينقصها العقل. وإذا توسّعنا في المخلوقات الاخرى كالملائكة (من نور) والجن (من نار) فماهيتها تخلتف تماما عن الجميع، وبذلك هي ليست مشمولة في حديثنا هذا. هذه المخلوقات جميعها تخضع لمسألة الحياة والموت لشمولها على معطى الروح، وبهذا اكتسبت معنى "الكائن الحي"، وما عداها من الأشياء الأخرى فهي غير حية لا روح فيها، كالكواكب والنجوم، والمياه، والرياح، والعناصر الكيميائية العضوية وغير العضوية كالمعادن والفلزات ونحوها. هذا التنوع العجيب من المخلوقات الحية وغير الحية ادى إلى مخلوط او مركب عجيب فريد من التفاعل والتناغم والاندماج حتى اصبحت الحياة الدنيا لا تستقيم بغياب أي عنصر من عناصرها المختلفة المتنوعة هذه. ومع هذا التنوّع التكاملي المتداخل يظل الإنسان المخلوق الوحيد المعنى بالتكريم من بين الخلائق الاخرى ( ولقد كرّمنا بني آدم). إذا، توافر ثلاثية الجسد – الروح – العقل في الإنسان هي من المسلّمات التي يجب ان تلفت انتباهنا ونحن نسير ونخطو في مسالك ودروب البحث والتطوير والابتكار. هذا المزيج الثلاثي المنتج لما يعرف بالإنسان، تلفه ثلاثية اخرى، وهي المسلمة الثانية التي يجب ان تلفت انتباهنا ايضا، الا وهي مثلث "الجينوم، والبيئة، والسلوك/ والإختيار". فكل انسان يتركب من مادة جينية تسمى المادة الوراثية (الجينوم) التي توارثها عن أبويه تشكل العنصر الأولي كخارطة (blueprint)  ينشأ على اساسها – اي الخارطة - البناء الجسدي المحسوس من خلايا وانسجة واعضاء وجسم متكامل (تبارك الله احسن الخالقين). هذا الضلع (الجينوم) من بين ضلعين آخرين هما ضلع البيئة وضلع السلوك والاختيار يكوّنوا ثلاثية اخرى تسمى ضلع الجينوم – ضلع البيئة – ضلع السلوك والاختيار. فالإنسان متشابه في مركّب الثلاثية الاولى التي تميزه عن باقي الخلائق (جسد – روح – عقل) بينما يختلف اختلافا جوهريا ولا يتطابق مع انسان آخر  من بني جنسه في ثلاثية (الجينوم – البيئة – السلوك والاختيار). بمعنى أن كل انسان له بصمته الوراثية الخاصة به لا يشبهه فيها احد من الناس من لدن آدم عليه السلام إلى ان يرث الله الأرض ومن عليها (مثال بصمة اصابع اليد)، كما انه محاط ببيئة لا يشاركه فيها انسان آخر ايضا. كما ان سلوكه وخياراته اليوميه من اكل وشرب ونوم ورياضة وعبادة وعلاقات اجتماعية وحب وكره، وسعادة وتعاسه، وشعور وتفاعل، وتقدير للأشياء المحيطة به،، كل هذه الاشياء لا يشاركه او يتطابق معه فيها انسان آخر على وجه الأرض. هذا التفرّد (uniqueness/singularity) حقيقة لا يشاركه فيه احد، وللمزيد من تعقيد المشهد فإنّ هذا التفرد يلقي بظلاله أيضا ليطال الإنسان نفسه فيتغير بتغير الزمان والمكان على مستوى اللحظة الزمنية او المسافة المكانية سواء بسواء. إذا، الإنسان أو الشخص في هذا العام ليس هو الإنسان أو الشخص ذاته في العام الماضي أو العام الذي يليه، والإنسان المقيم في بلد ماء ليس هو الإنسان نفسه إذا اقام في بلد آخر. وهنا تم التمثيل زمنيا بحقبة زمنية (عام)، وبالمكان (من بلد لآخر)،، لكن هذا التغير الزمني يحدث بالمثل في ازمنة اقل من ذلك (الثانية فأقل) وأماكن أو مسافات اقرب من ذلك ايضا (الميكروميتر فأقل). هذا التعقيد الزماني والمكاني يحيلنا إلى التعقيد البيولوجي للإنسان – وهي المسلّمة الثالثة هنا. بحيث تشير هذه المسلّمة إلى ان التعقيد البيولوجي للإنسان يفوق ويتخطى تخيّلنا (imagination) ، وقدراتنا الإدراكية (perception)، فمثلما قلنا أن تفرّد الإنسان أو الشخص نفسه يتغير بتغير الزمان والمكان سواء بسوء، فيمكننا الذهاب بعيدا لنقول بأن حتى على مستوى الخلية الواحدة التي تعرّف على انها الوحدة البنائية المكوّنة للأنسجة والأعضاء لجسم الإنسان هي أيضا متفردة لا تشبه خلية أخرى من نفس نسيجها أو العضو المتواجده فيه، كما أنها هي نفسها متغيرة بتغير الزمان والمكان (المحيط) المتواجدة فيه أيضا. هذا التعقيد البيولوجي للكائن الحي وعلى رأسهم هذا المخلوق العجيب – الإنسان – يفوق كما قلنا قدراتنا التخيلية والادراكية على السواء. كما أن علوم وابحاث الطب الحيوي إلى يومنا هذا لا تملك المعرفة و لا التقنية للإحاطة بكنه وجوهر هذا التعقيد. وبالعودة إلى الثلاثيات التي ذكرت أعلاه، ثلاثية: الجسد – الروح – العقل، وثلاثية: الجينوم – البيئة – السلوك والاختيار، كل هذه الأضلاع والمحاور يمكن القول هنا بأنها مسيّرة ومأمورة بأمر الله تعالى تبعا لسنن ومقادير وقوانين ربانية لا تخرج عنها قيد انملة،  باستثناء ضلع العقل/السلوك والاختيار فهو الضلع الوحيد المخيّر صاحب الإرادة الكاملة في القبول أو الرفض، أي انه المعطى الوحيد (الضلع الوحيد) في هذه الثلاثيات الذي منح خاصية الاختيار والإرادة لحكمة ارادها الله سبحانه وتعالى. وبالتدقيق في جميع هذه الأضلاع المختلفة المُسيّرة المُكوّنة للثلاثيات نجدها تتبع قوانين صارمة من الدقة والإبداع لا تنحرف عنها بتاتا. فمثلا لو نظرنا إلى الخلايا المختلفة في جسم الإنسان المكوّنة للأنسجة والأعضاء، نجد ان كل خلية تقوم بوظيفة مميزة تختلف عن وظائف أخرى تقوم بها خلايا من نوع آخر. وكل خلية أيضا لها عمر افتراضي يبدأ بميلادها ومن ثم دخولها إلى سوق العمل لتقوم بوظيفتها الفسيولوجية البيولوجية المناطة بها إلى ان تنتهي وتموت بآلية مُبرمجة (apoptosis)، لتُسلّم بعدها الوظيفة نفسها لخلية أخرى من نفس النوع ولدت في التو للقيام بوظائفها البيولوجية المكلّفة بها. هذا النوع من الوظائف المتنوعة لهذا النسيج المختلف المعقّد من الخلايا المتنوعة أيضا،، من يتحكم به؟ بمعنى آخر من علّم هذ الخلية الفريدة (عقلنة الخليّة!!)، بمعنى من عقلنها (cell mentalization) لمعرفة الوظيفة المناطة بها في الفترة الزمنية المقدّرة  لها في المكان المحدد لها؟ سؤال يجب التفكر واعمال النظر فيه، أليس كذلك؟، كما يجب علينا استصحاب أو التأكيد على أن هذا التنوع المعقد (biodiversity & complexity) في عدد الخلايا واشكالهاالنسيجية ووظائفها الفسيولوحية نشأت في الحقيقة من تلاقح او تزاوج خلية ذكرية واحدة (النطفة) مع خلية أنثوية واحدة أيضا (البويضة) لتستقرا في بيئة خاصة بهما (الرّحم) لمدة زمنية مقدرة بتسعة اشهر لينتج عنهما ذلك المولود الفريد - الإنسان - ذو الثلاثية الفريدة "الجسد- الروح – العقل"، (فتبارك الله أحسن الخالقين). هنا لن نتطرق إلى ماهية الروح التي تُنْفخ في الجنين أثناء مسيرة نموّه في الرحم لأننا لم نؤت علما لنحيط بها (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا).فإذا تنحينا جانبا وتوجهنا بالنظر والبحث في  الأضلاع الأخرى – كضلع البيئة مثلا - واعملنا فيها النظر فسنصعق من الدقة والابداع أيضا. والبيئة (biosphere) هنا، والتي يشار إليها بمنطقة الحياة على الأرض (zone of life) تحوي أو تتكوّن من كل ما هو حي وميت، والميت منها يشمل الأرض والكواكب والشمس والقمر والرياح والجبال والتراب والمياه والبحار والمحيطات والسهول وغيرها، وتتنوع البيئات (ecosystems) بتنوع اماكن تواجدها على الارض فهناك البيئة الباردة والحارة أوالرطبة والجافة، والبيئة المرتفعة أو المنخفضة في الإرتفاع أو في الضغط الجوي وهكذا دواليك. كل هذا التنوع في ضلع البيئة غير الحية هو أيضا يخضع لنواميس وقوانين لا تخرج عنها أبدا. ومن أهم القوانين التي يجب ان تلفت انتباهنا هي قوانين الزمن وقوانين الحركة، وهنا يمكن أن نطلق عليها المسلّمة الرابعة. فالمسلّمة الرابعة تلفت انتباهنا إلى عامل الزمن وأهميته في التفاعل المعقد والمتناغم لكل هذه الأضلاع والمسارات المختلفة من المخلوقات الحية وغير الحية لإنتاج الصورة المبهرة للكون والحياة (فتبارك الله أحسن الخالقين). ثم يأتي السؤال المهم هنا أيضا، وهو ما علاقة أو ترابط هذه الكائنات الحية وغير الحية بعامل الزمن ، بمعنى كيف وبأي آليه ترتبط هذه الخلائق بمعطى الزمن (ظاهرة تعاقب الليل والنهار). وهذا موضوع آخر معقّد لا يمكن الإحاطة بكنهه وجوهره. فإذا امعنا النظر جليا، فسنلحظ أن هناك ارتباطا وثيقا مشاهدا وملموسا بين الكائنات الحية وعامل الزمن (ارتباط وثيق ملحوظ)، بينما الشق البيئي غير الحي يرتبط ارتباطا غير منظور أو ملاحظ مع معطى الزمن (تعاقب الليل والنهار). وللتدليل على هذه المسألة، فيمكننا ملاحظة تطور ونمو الإنسان خلال فترة الحمل والمقدّرة بتسعة أشهر، أو مرحلة الطفولة مثلا، فنجد الطفل ينمو ويتغير في شكله الظاهري وسلوكه وتصرفه اليومي في مدد زمنية قصيرة (ترابط وثيق)،، بينما لو اتجهنا وقسنا ترابط الحجر او الحديد المرمي في الطرقات والشوارع مع عامل الزمن فلن نلحظ تغييرا واضحا عليهما (ترابط رخو)، أي بمعنى عوامل التعرية وتغير شكل الحجر أو الحديد لن يكون ملحوظا ومشاهدا كالتغير الذي يطرأ على الكائن الحي. إذا تأثير الزمن يختلف باختلاف الكائنات والمخلوقات المتنوعة وكذلك بتنوع المواد غير الحية بما فيها البيئات المختلفة. فالزمن له علاقة وثيقة بالكائنات ذات الروح، وغالبا ما يطلق عليها بالساعة البيولوجية  (biological clock) ، أو (circadian rhythm ) وهذا موضوع عميق يصعب سبر غوره والاحاطه به أيضا. هذا التداخل والتفاعل والتناغم المعقّد البديع المتكامل بين الكائن الحي، وبيئته المحيطة به، في وعاء زمني ومكاني محددين يذهب بنا إلى إقرار المسلّمة الخامسة، والتي تشير إلى أن هذا التعقيد غير المُتصوّر والمُدْرك لبيولوجيا الكائن الحي مع التداخل والترابط المذهل مع البيئة (بشقيها الحي والميت) والتفاعل بينهما من خلال السلوك والاختيار الطوعي للإنسان (العقل). كل هذا التعقيد عالي الآداء (high complexity) والذي في نفس الوقت سهل الاستخدام والاستعمال (user-friendly)، اخفى عنا حقيقة مهمة وهي عدم تقديرنا أو لسان حالنا جاحد و غير مقدر لهذا التعقيد، وبناء عليه لم نقدر الله حق قدره (ماقدروا الله حق قدره)، مما نتج عنه تجرأ الإنسان على هذه الحقيقة الدامغة ليصل به إلى انكار كل هذا الإبداع والخلق ليذهب بعيدا ويكفر بالله ويجعل له شريكا وندا والعياذ بالله. ولذا تحدى الله الإنسان والآلهة التي يعبدونها بأن يخلقوا ذبابا فقط، وأقر الله – جل في علاه – بأنهم لن يستطيعوا ولو اجتمعوا له (لا إله الا انت سبحانك).هذه المسلمات التي ينبغي لنا استصحابها وادراكها  اثناء سيرنا في دروب الفكر المعرفة في حقول علوم الحياة يجب أن تأزّنا أزّا نحو الإقرار بعظمة الخالق جل في علاه وإفراده بالوحدانية والعبادة. لأن الغاية من خلقنا واستخلافنا للأرض وعمارتها هو عبادة الله وحده لا شريك له (وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون). أختم بملاحظة هامة جدا يجب الانتباه إليها وهي أنه على الرغم من الإنتاج العلمي الإبتكاري الضخم الذي انتجه الإنسان خلال مسيرته وتفكره واكتشافاته في دروب العلم والبحث والابتكار في القرون الثلاثة الأخيرة. هذا الإنتاج والتطور المعرفي الضخم - وبما أذن الله به ان يخرج للناس،  وما قدّره ان يخرج وما قدّره ان يظل طي الكتمان لا يتم الإشارة إلى فضل الله وكرمه، وأنه وحده صاحب الفضل أولا وآخرا. فعند قراءة الأوراق العلمية الرصينة التي تحوي دراسات وبحوث  مذهله في علوم الحياة والتي تنشر في أفضل المجلات العلمية المعتبرة كمجلات (cell, nature, science journals)، ذات معامل تأثير عالي (high impact factor) لا نجد هذه البحوث والدراسات تشير إلى عظمته وقدرته وعلمه وكرمه واحسانه. سبحان الله، لم نقدر الله حق قدره،، وصدق من قائل: (قتل الإنسان ما اكفره).
نشأ الخلق على فلسفة الثنائيات (polarity, dualism) المتلازمة بعضها مع بعض. فتعمل هذه الثنائيات وتتفاعل بآلية وجه العملة الواحدة. إذا حضر أحد أوجه هذه الثنائية/العملة أو تلك، غاب عنها الوجه الآخر لها، وهكذا دواليك. وهذه الثنائيات كثيرة في العدد لايمكن حصرها، بدأ من ثنائية الموت والحياة، مرورا بثنائية الكفر والإيمان، انتهاء بثنائية الجنّة والنار. لكن ما يهمُّنا في هذه المقالة هو ما يتعلّق بثنائية "الصحة والمرض"، وهذه الثنائية تعتبر من أهم واعقد الثنائيات التي ترافق الإنسان منذ وعْيه بنفسه إلى أن يموت، فهي شغله الشاغل الملازم له على مدار اللحظة الزمنية. كما أن هذه الثنائية (وجه العملة) استثمرت بطريقة معقّدة متداخلة لترسخ وتأسس لما يعرف اليوم بصناعة الرعاية الصحية التي تعتبر أكبر صناعة عرفها الإنسان منذ تواجده على وجه الأرض. وقد تشعّبت صناعة الرعاية الصحية لتشمل العلوم والمعارف المختلفة التي تهتم بالإنسان وما يحيط به من بيئات مختلفة، وما يختاره ويقرُّه أيضا من اختيارات وسلوكيات متباينة ومتضاربة احيانا، ومدى انعكاس هذه البيئات المختلفة، وكذلك الخيارات والسلوكيات اللحظية اليومية على صحته البدنية، والنفسية، والعقلية. وهذه الخيارات التي اختارها بنفسه أو بتأثير المحيط به أو السلوكيات التي سلكها بمحض ارادته أو بتأثير غيره عليه هو المسؤول الأول عن مآلاتها ونهاياتها الإيجابية منها والسلبية كذلك. أي هو المسؤول بقدر كبير عن مآلات هذه الخيارات والسلوكيات التي سلكها. كما تجدر الإشارة هنا إلى أننا ركّزنا في حديثنا هنا عن الفرد/الشخص فقط، لكن يمكن ان ينسحب هذا القول على المجتمعات أيضا. فثنائية الصحة والمرض التي تلازم الأفراد، يمكن لها أن تلازم المجتمعات أيضا. فكما أن هناك أسقام تصيب الأفراد، فهناك أسقام تصيب المجتمعات أيضا. وكما يمكننا التحدث عن صحة الفرد، يمكننا التحدث عن صحة المجتمع سواء بسواء. ولكل من الأفراد والمجتمعات آليات وطرق ومناهج لدراسة وجهي عملة ثنائية الصحة والمرض فيهما. ومن هذا المنطلق، ومن هذه الغاية نشأت صناعة الرعاية الصحية لتشمل المؤسسات والمعاهد التي تدرّس فلسفة الطب والعلاج ومعرفة الأمراض وتصنيفها وتشخيصها (كليات الطب والطب الموازي)، وتشمل أيضا مؤسسات الرعاية الصحية (المستشفيات المركزية والعيادات، ومعامل ومختبرات التحاليل، والصيدليات) التي من خلالها يتم مراقبة الأمراض ومكافحتها وعلاجها من أجل تمكين الناس من صحتهم وتعزيزها. وقبل هذا وذاك نشأت معاهد ومراكز البحث والتطوير والابتكار في مجال علوم الطب الحيوي، لتعمل كحدائق خلفية أو مطابخ يتم فيها دراسة الكون بأكلمة شاملا علوم الحياة (دراسات الكائنات الحية) وعلوم البيئة، وعلوم السلوك والاختيار للأفراد والمجتمعات لاستخلاص افكار، ومناهج علمية، وثقافة مجتمعية توعوية، وطرق، وأساليب، وآليات متنوعة غايتها الكبرى هي اخفاء وجه المرض والقضاء عليه مقابل استحضار وجه الصحة وترسيخه قياسا على وجهي عملة ثنائية الصحة والمرض - إذا جاز التعبير. ومن أكثر المشتغلين بهذه الثنائية على مستوى العالم هي منظمة الصحة العالمية (WHO)، وهي احدى المنظمات التابعة للأمم المتحدة، متخصّصة في مجال الصحة، وقد أنشأت تحديدا في 7 أبريل 1948م، ومقرُّها الحالي جنيف، سويسرا. وهي السلطة التوجيهة والتنسيقية في المجال الصحي، كما أنها مسؤولة عن لعب دور قيادي في معالجة المسائل والمشاكل الصحية العالمية. وبالرجوع إلى ثنائية الصحة والمرض، فقد تم تعريف الصحة من قبل المنظمة خلال إعلان مباديء الرعاية الصحية الأوّلية عام 1978م على أنها: "هي حالة من اكتمال السلامة البدنية والعقلية والاجتماعية وليس مجرد غياب أو انعدام للمرض أو العجز"، لكن هذا التعريف تعرّض لانتقادات كبيرة، مما دفع بالعديد من المنظمات الصحية الأخرى إلى استخدام تعريفات أخرى من بينها: "الصحة هي الحالة المتوازنة للكائن الحي والتي تتيح له الآداء المتناغم والمتكامل لوظائفه الحيوية بهدف الحفاظ على حياته ونموه الطبيعي". ودون الخوض في مسألة تعريف الصحة على الوجه الصحيح، أحببت أن ألفت انتباه القارئ الكريم إلى أن تعريف الصحة مرّ عليه الآن حوالي أربعة عقود، ولم يتم اعادة النظر فيه أو اعادة تعريفه من قبل منظمة الصحة العالمية بينما لو نظرنا إلى تعريف المرض فنجد أن هناك تصنيفات وكتب ومراجع كثيرة لا حصر لها تهتم بتعريف الأمراض المختلفة وتوصيفها وتبويبها وقياس شدتها والغوص في اسبابها ومآلاتها ابتداء من الأمراض السارية وانتهاء بالامراض المزمنة وما بينها من امراض اخرى لا يمكن الوقوف عليها، مثل الأمراض النادرة. و قد أدى توجيه البوصلة نحو وجه المرض – أي استجلاب وجه المرض - بطريقة تعسّفية أدت معه نشوء منظمات لا شغل ولا همّ لها إلا دراسة الأمراض وتعريفها وتشخيصها باعتماد طرق وآليات التشخيص على رأسهم موسسة كلية علم الأمراض الأمريكية (CAP)، التي تأسست منذ ثمانية عقود تقريبا، وهي تهتم أساسا بكل ما يمت للأمراض بصلة من حيث تشخيصها وتصنيفها، وكذلك تهتم بقوانين وأخلاقيات وآليات تجهيز معامل تشخيص الأمراض، كما أنها تجري امتحانات دورية وتقوم بزيارات ميدانية للوقوف على تجهيزات المعامل والمختبرات داخل انظمة الرعاية الصحية ليتم اعتمادها وترخيصها لمزاولة المهنة أو عدم منح الثقة لها. وهذا الإعتماد الأكاديمي للمختبرات والمعامل يكون صالحا لمدة عامين تقريبا يتم بعدها مراجعة البروتوكولات التشخيصة، والأجهزة المعتمدة، والكواشف، والمواد المختبرية المطلوبة للتشخيص، وتحديثها من حين لآخر كلما استجدّت معارف جديدة في التشخيص والعلاج. كما تلعب مؤسسة إدارة الغذاء والدواء (FDA) دورا موازيا في اعتماد الاجهزة التشخيصة والأدوية والعلاجات الجديدة واعتمادها – أو رفضها - لتدخل إذا ايجزت لسوق العمل لصناعة الرعاية الصحية المتمثلة في أنظمة الرعاية الصحية المعروفة لدينا. ومن الأمور الأساسية الأخرى التي تهتم بها منظمة الصحة العالمية هو الإنشغال بتوقع الأمراض المستقبلية وطرق تجنبها والعمل على منعها ومكافحتها قبل ظهورها وشيوعها بين الناس. وهذا الجهد يتطلب آليات وبرامج وسياسات ومناهج تختلف تماما عن برامج وسياسات وخطط تشخيص الأمراض. فتشخيص المرض يبدأ بعد ظهوره وملاحظته بينما توقع المرض هو دراسة احتمالية ظهوره مستقبلا. والفرق المفاهيمي بين تشخيص المرض وتوقعه شاسع جدا. وفي المقابل أيضا، اهتمت منظمة الصحة العالمية بوجه الصحة من ثنائية وجهي عملة الصحة والمرض، وذلك برسم خطط وبرامج وتوصيات وسياسات تهتم بتعزيز الصحة والمحافظة عليها بين الأفراد والمجتمعات، لكن للأمانة لا يمكن مقارنتها – أي نشاطات تعزيز الصحة – داخل المنظمة بنشاطات تشخيص الأمراض ومكافحتها وتوقعات حدوثها مستقبليا. فالمقارنة بين نهجي الصحة والمرض داخل دواليب ومكاتب وفروع منظمة الصحة العالمية المنتشرة لا يمكن المقارنة بينهما. فأغلب برامج المنظمة الموجهة نحو تعزيز الصحة والحفاظ عليها – في رأي المتواضع – هي برامج قاصرة مبتورة غير متكاملة تهتم غالبا بالجوانب المادية للصحة مهملة ومسقطة – بوعي أو بدونه - لجوانب أخرى اجتماعية وأخلاقية ودينية وسلوكية واقتصادية وبيئية مهمة جدا في تعزيز الصحة و الحفاظ عليها. وإذا أمعنا النظر في الطرق أو التوصيات التي تعتمدها المنظمة في تعزيز الصحة نجدها لا تتعدى التوصيات التالية: الإنقطاع عن التدخين والمسكرات، مزاولة الرياضة، الأكل الصحي دون ايجاد طرق عملية أو أدوات ناجعة في ترسيخ مفهوم وتطبيق هذه التوصيات بين الأفراد والمجتمعات – حتى وان اعتبرناها قاصرة لا تفي بالمطلوب. بينما البرامج والطرق والمناهج المعتمدة في تشخيص الأمراض وتصنيفها وعلاجها لايمكن حصرها كما قلنا. إذا هناك خلل منهجي واضح وجلي بين وجهي عملة أو ثنائية الصحة والمرض لدى أكبر منظمة صحية أصلا أسست لهذا الغرض وسميت باسم "الصحة"، فما بالك بالأفراد والمجتمعات وسلوكياتهم واختياراتهم غير الراشدة في الغالب مما نتج عنه انتشار أمراض غير مسبوقة لم تكن في أسلافنا. هذه الثنائية كما قلنا من الثنائيات المعقدة التي اشغلت فكر الإنسان منذ ادراكه ووعيه إلى ان يغادر الدنيا. وهذا الفشل الذريع المشاهد والملاحظ في معدل الإصابة العالي بالأمراض في العالم اجمع هو نتاج لأخطاء منهجية – في تصوري – طالت كيفية أو آلية التعامل مع هذه الثنائية بطرق منهجية صحيحة. فهذه المنهجية الخاطئة لم تجلب وجه الصحة بعد، بل انها فشلت تماما وعملت على استحضار وجه المرض وترسيخه ظنا منها بأن تشخيص المرض وعلاجه يجلب وجه الصحة تباعا. إذا هذه الجدليّة لثنائية الصحة والمرض، يجب ان تحثنا إلى نقف قليلا، ونلتفت هنا وهناك، ونمعن النظر للبحث سويا عن طرق ومناهج أخرى أكثر فاعلية في تعزيز صحة الأفراد والمجتمعات. ولعلّ هذا يكون في مقالة أو نقاش قادم بيننا بإذن الله تعالى.
 مؤسسات وصوامع أنظمة الرعاية الصحية الحديثة تتمثل في المؤسسات المركزية المعروف لدينا جميعا مثل المستشفيات، والعيادات الطبية، ومعامل المختبرات التشخيصية، والصيدليات الدوائية وغيرها شاملة المؤسسات الحكومية والخاصة معا. ما يهمنا هنا هو الحديث عن المحتوى الداخلي لهذه المؤسسات من تجهيزات وأدوات ومستلزمات طبية مختلفة الأحجام والمهام. هذا التنوع الواسع في كل هذه الأجهزة والأدوات من حيث الحجم والوظيفة صممت أساسا للتعرف على الأمراض وعلاجها، مستهدفة الحفاظ على صحة الناس وعافيتهم. فكل هذه الأجهزة والمستلزمات الطبية خرجت -  في الحقيقة - من رحم ما يعرف اليوم بمراكز البحث والتطوير والإبتكار في مجالات العلوم المختلفة وفي مقدمتها أو على رأسها علوم الحياة وعلوم الطب الحيوي بشقيها "الساكن" و"المتحرك"، ومادة بحثها كل ما هو "حي" أو "ميت" على السواء. هذه الأجهزة والأدوات المتنوعة كانت عبارة عن أفكار وخواطر جالت بعقل الإنسان فعمل على ترجمتها إلى ابتكارات واكتشافات انتهت بنا إلى هذا التطور الملحوظ والمشاهد خلال القرنين الماضيين. ابتكرت هذه الأجهزة وصممت بناء على حاجات الناس في التعاطي مع صحتهم والحفاظ عليها من خلال كلمات مفتاحية بوصلتها متجهة نحو "المرض" بمختلف اسبابه وتنوعه وانتشاره يمكن ايجازها في الآتي: "توقع المرض"، "منع المرض"، "تشخيص المرض"، "علاج المرض" مقابل كلمات مفتاحية بوصلتها متجهة نحو "الصحة" يمكن تلخيصها في كلمتين فقط هما: "تعزيز الصحة" والحفاظ على الصحة". هذه الأجهزة والأدوات المختلفة تم ابتكارها حسب الحاجة والطلب، وحسب ما توفر من معلومات علمية في السياق الزمني، وحسب الاستطاعة أيضا. وكل هذه الحاجات والمعلومات والاستطاعة خاضعة أيضا لمفهوم التمدد والاندياح والانتشار. بمعنى كلما دعت الحاجة، وكلما توفرت المعلومة، وكلما تحققت الاستطاعة يتم الابتكار والانتاج على مدار الساعة، وهذه العجلة المتوالية المتحركة من الابتكار والانتاج لا تتوقف لحظة واحدة، مستمدة هذا الحراك من التغذيه التي تحكمها فطرة التنافس بين الدول والمجتمعات، وقبل هذا وذاك، هي مستمدة من جذور فطرة الإنسان المفطور على حب الخلود والبقاء والتملك. هذا الجهد البشري الجبار الموجه نحو ابتكار وانتاج الأجهزة الطبية ومستلزماتها المختلفة يتطلب أيضا جهدا جبارا آخرا موازيا لجوهر الفكرة أو الخاطرة  التي  وردت على عقل الإنسان، والمراد ترجمتها إلى منتج يستفاد منه في صوامع أنظمة الرعاية الصحية المغلقة المتنوعة. هذا الجهد الموازي يتمثل في عدة مسارات واتجاهات وشبكات مترابطة مهمة  لضبط عجلة الابتكار والانتاج. من هذه المسارات على سبيل المثال لا الحصر: المسار القانوني التشريعي، والمسار الأخلاقي، والإداري، والتخطيطي، والمالي، والتعليمي، والتوعوي، والإجتماعي، والسياسي، والربحي وهكذا دواليك. إذا ضابط هذه الابتكارات والانتاج المتنوع هي شبكات أخرى متداخلة من المسارات المعقدة بتعقد فلسفة الصحة والمرض سواء بسواء تكون على مسافة واحدة من جوهر الفكرة المراد انتاجها في الحقل الطبي. بوصلة حديثنا هنا متجهة تماما نحو فلسفة انتاج وابتكار أنظمة الرعاية الصحية دون الخوض في فلسفة وكنه المسارات الأخرى الداعمة لإنتاج هكذا نوع من المنتجات الطبية. فكل مسار من هذه المسارات - المذكورة أعلاه - المتداخلة والمترابطة والمنتهية بتكوين شبكة معقدة داعمة وحاضنة لأصل الفكرة. كل مسار من هذه المسارات له كلماته المفتاحية وبوصلته التي تميزه عن باقي المسارات. فتعقد شبكة المسارات الداعمة لخط الإبتكار والانتاج لهذه المستلزمات الطبية يتعقد بتعقد مدى فاعلية كل مسار، وما مدى تأثيره النسبي في انجاح عملية دوران عجلة الإبتكار والانتاج المستهدفة. في الحقيقة هذا التعقيد ليس بالضرورة مصاحب لإنتاج أجهزة وأدوات أنظمة الرعاية الصحية فقط دون غيرها من المنتجات الأخرى في المجالات المختلفة كالتعليم، والإقتصاد، والإنتاج العسكري، والمواصلات، والسياحة والسفر وغيرها، فهو - أي هذا التعقيد - ملازم لكل ما يمكن أن يطلق عليه الأدوات التي يستعين بها بني البشر في استخلافهم واعمارهم للأرض في الحياة الدنيا. بعد هذا التقديم الفلسفي البسيط - إذا جاز التعبير - يقفز بنا المقام أو السؤال نحو ما مدى نجاعة وفاعلية هذه الأجهزة والأدوات الطبية المنتجة لغايتين اثنين - كما أسلفنا سابقا - وتحديدا هما مكافحة الأمراض من جهة (بوصلة المرض)، وتعزيز الصحة والحفاظ عليها من جهة آخرى (بوصلة الصحة). المتتبع لنوعية وتنوع المنتجات الطبية واختلافها باختلاف غاياتها على مستوى المرض والصحة، نجد أن هناك ضعفا أو فشلا واضحا وملموسا في فاعلية الإنتاج الطبي وخصوصا في الشق المهتم بتوقع ومكافحة الأمراض وعلاجها. لكن في المقابل، هناك نجاحا مشاهدا وملموسا في الشق التشخيصي الوصفي التحليلي للمرض. والدليل على ذلك أن أغلب تقارير منظمات الصحة العالمية تشير الى زيادة مضطردة في الأمراض المزمنة بالعموم، ولم يتم الى الآن القضاء عليها أو التعامل معها بمهنية وحرفية بالغة.  هذا التباين في نجاعة الإنتاج الطبي على مستوى التشخيص والعلاج له اسباب معتبرة، والتي في تصوري البسيط، قد تكون خافية على كثير من المهتمين والمشتغلين بالبحث والتطوير والابتكار في مجال الطب الحيوي. فجذور هذه الأسباب – في الحقيقة - تمتد إلى خلل أو اختلالات بنيوية في أصول المنهج العلمي البحثي المعتمد في الابتكار والانتاج،، وأسباب اخرى - وهي الأهم - هو التعقيد الملازم لبيولوجيا الإنسان الذي يلف ويصاحب ثنائية المرض والمريض معا.لعلنا نفرد مقالا آخرا يسلط الضوء على مناهج البحث العلمي المعتمدة في مراكز ومعاهد البحث والتطوير في مجال علوم الحياة بالعموم، ومجال ابحاث الطب الحيوي على وجه الخصوص لنتعرف على التحديات أو الاختلالات البنوية في مناهج البحث والتطوير، لنفتح النقاش حول آليات عمل تفكيكها وإعادة بناءها للمساهمة في مكافحة الأمراض وتقليلها، وتعزيز صحة الأفراد والمجتمعات.
من محافظة شبوة من جنوب اليمن ، من مدينة حبان اقدم واجمل المدن التاريخية اليمنية وهى تقع منتصف الطريق الرابط بين مدينتين يمنيتين عريقتين هما المكلا ، وعدن ، جاء الشاب المجاهد / على مبارك بن ظافر الحبانى ، المولود عام 1905 م . وكان ذلك تقريبا سنة 1923 م إلى ليبيا وهو لم يتجاوز الثامنة عشر من عمره. ليشارك الليبيين الجهاد ضد المستعمر الايطالى ، الذى عرض عليه العمل معهم فرفض واختار الإنضمام للمجاهدين تحت قيادة المجاهد / أحمد الشريف السنوسى ، انتقل بعد ذلك إلى دور عمر المختار بالجبل الأخضر ، وعرف بإسم على مبارك ( اليمنى ) نسبة لبلاده ، وكان يرافقه عددا من الشباب اليمنى ، منهم من واصل واستمر ، ومنهم من غادر وعاد لوطنه ، ولكن لم يبرز منهم الا هذا الشاب ، الذى واصل الجهاد الى ان استقر به المقام فى ليبيا ، حتى وفاته ، وأصبح الليبيون ينازعون اليمنيين فيه فأصبح ليبيا فى ليبيا ويمنيا يفخر ويشيد به اهل اليمن ، شارك الشاب اليمنى ، فى اول معركة له عند قدومه وهى معركة بئر الغبى ، فى رمضان عام 1923م . وكل ماتلتها من معارك .وجد شيخ الشهداء عمر المختار فى الشاب اليمنى ذكاء وفطنة ، وآمانة وصدقا وشجاعة واقدام ،و قدرته على أداء أعمال المحاسبة ، ومسك السجلات بكل مهنية ودقة ، فاوكل اليه مسك سجلات الاعشار ، التى تتبرع بها القبائل كذلك كل المعاملات المالية الدفتربة والعينية للدور ، بل تجاوزت ثقة عمر المختار فى الشاب اليمنى اكثر من ذلك حتى كان يبعثه ممثلا له فى عدة مهام مختلفة الى مصر ، منها شراء السلاح وكل مايلزم المجاهدين من لوازم.وكان رغم صغر سنه ، يعرف عنه أنه شاب عاقل ، راجح الرأى، نير البصيرة ، يحسب على ذوى الرأى والمشورة ، والعقلاء واهل الخبرة والمعرفة ، فكان مشاركا فى كل المفاوضات ، التى جرت بين عمر المختار والايطاليين ومنها مفاوضات سيدى رحومة وغيرها.وهكذا تتجلى لنا شخصية هذا الشاب اليمنى ، وقدراته وكفاءته وإيمانه وحبه لليبيا واهلها وإخلاصه اللامتناهى، فكان موضع احترام وتقدير واجلال وتبجيل كل من يعرفه ويسمع عنه طيلة الستة عقود التى قضاها فى ليبيا حتى عام وفاته فى شهر يناير 1981م حيث دفن بمقبرة سيدى اعبيد ، بجوار قبر رفيقه وصديقه شيخ الشهداء عمر المختار.شارك فى جميع المعارك التى خاضها عمر المختار . وقد أسند إليه عمر المختار قيادة فرقة او مفرزة تتابع تحركات المجاهدين ، لغرض المساندة وفك الحصار ، أشبه بقوات التدخل السريع ، أو الإسناد وتقوم بالالتفاف خلف العدو لفك الحصار ، أو التغلب على الفخاخ العسكرية المعادية ، وإفشالها ، أو مفاجأة العدو من حيث لا يتوقع ، وفى مثل هذه المواقف يحتاج إتخاذ القرار الى الخبرة والحنكة والشجاعة والإقدام ، حتى اشتهر ببراعته فى مثل هذه المهام القتالية فى ميدان الحروب .استمر المجاهد على مبارك اليمنى مرافقا مخلصا لعمر المختار حتى قبض على عمر المختار ، واعدم فى سبتمبر عام1931م . وخبأت شعلة الجهاد ، فانتقل المجاهد/ على اليمنى الى مصر ، حيث التحق بالملك ادريس السنوسى القائد الأعلى الجهاد فى ليبيا ، وشارك فى تأسيس الجيش السنوسى ورفعه الملك إلى رتبة ضابط وأصبح ملازما عام 1947م واستمر فى الترقيات العسكرية ، بعد تحرير البلاد .وبعد تحويل الجيش السنوسى من جيش الى بوليس ، لحاجة البلاد إلى الضبط والآمان والاستقرار ، بعد أن وضعت الحرب اوزارها وصل الى رتبة زعيم وهى أعلى رتبة عسكرية يصلها الضباط فى ليبيا .وكلف برئاسة حرس اول برلمان ليبى. لم يمنعه حبه لليبيا أن يتواصل مع أهله وذويه إخوته أبناء إخوته وأبناء عمومته ،فى اليمن ، ثم واصلت ابنته الوحيدة ، التى تشرفت بمعرفتها ، حفظها الله وهى صديقة لعائلتى ، صلة الرحم وذهبت إلى اليمن فى نهاية التسعينات بعد وفاة والدها لزيارة اقارب والدها ، حيث اكرمت وفادتها من قبل الرئيس/ على عبدالله صالح وقلدها أرفع الاوسمة.كما تعامل العهد الجمهورى مع الزعيم على مبارك اليمنى باحترام ومنحه وسام الشجاعة .اللهم أغفر له وارحمه واكرم نزله ووسع مدخله واجعل الجنة مأواه ومستقره وجازه عنا خير الجزاء. حفظ الله ليبيا وكل من أحب ليبيا وأخلص العمل لها ( رجب بونخيله )_____بعد نشر هذا المنشور تلقيت رسالة كريمة من الإبنة الوحيدة للمجاهد على بك اليمنى رحمه الله. فيما يلى نصها/السلام عليكم ،هذه الرسالة منقولة من ابنة المجاهد علي مبارك اليمني ....الاستاذ المحترم / رجب محمد بو نخيله بعد التحية أنا عائشة علي أمبارك اليمني أبنة المجاهد علي اليمني و الذي تفضلت مشكورا وكتبت وذكرت تاريخ والدي المشرف ونضاله مع رفيق دربه عمر المختار أبان الغزوا الإيطالي والآن وردا للجميل عن ما كتبت وذكرت في حق والدي اليك أقول لك مني خالص الشكر والتقدير لشخصك المحترم.عائشة أبنة المجاهد علي امبارك اليمني .المقال منقول عن الواتس اب