الإدارة والديمقراطية وفكر القطيع!!!

المشكلة في دولنا العربية ليست في نظام الإدارة ولا في شكل الديمقراطية، بل في البنية الاجتماعية التي تُعرّف المواطن كامتداد للقبيلة والعائلة والعرق، لا كفرد مستقل، مما يكسر ميزان العدالة لأن القرار لا يصدر عن الفرد، بل عن الجماعة التي ينتمي إليها. في الدول المدنية الحديثة، يصبح المواطن مسؤولًا عن قراره عند سن الثامنة عشرة، لكن في بيئتنا تبقى الولاءات القبلية أقوى من الولاء للدولة، ولهذا تبقى نتائج الانتخابات والإدارة نفسها مهما تغيّرت الوجوه، المحاصصة، المحسوبية، التوريث، الواسطة، وسيطرة الأغلبية القبلية على الأقليات المدنية.

كثرة أفراد القبيلة في مجتمع ما تحجب إمكانية بناء ديمقراطية حقيقية، لأن الغالبية تكون مرهونة لفكر القبيلة، عدد افراد القبيلة مع انتشار الفكر القبلي يكون سبب في طمس المكونات الأخرى التي تعيش مع تلك القبيلة او العرق. وفي المقابل، تقوقع قبيلة أو عرق في الهامش بسبب قِلّتهم يجعلهم عرضة لضياع الحقوق. وتجربة أمريكا وكندا مع السكان الأصليين دليل واضح على أن العرق أو القبيلة لا يتلاشى بالتجاهل، فقرون من الإدارة الحديثة لم تكسر الانغلاق لأن الدولة لم تمتلك آلية دمج فعالة، فبقيت تلك المكونات في عزلة وفقر وضعف وتعليم متدنٍ وارتفاع في الجريمة.

هذا يؤكد أنه لا ديمقراطية بلا قاعدة مدنية قوية، ولا إدارة حديثة في ظل هويات تتصارع خارج إطار الدولة. ولكي تنجح الإدارة وتولد ديمقراطية حقيقية، يجب أن تمتلك الدولة استراتيجية واضحة لتفكيك الولاءات التقليدية، لا بإلغائها، بل بتحويلها من ولاء اجتماعي ضاغط إلى ولاء وطني جامع مع الحفاظ على النسيج الاجتماعي لهذه المكونات. كلما عاملت المؤسسات الناس كأفراد لا كأعضاء في قبائل، وكلما فُرضت المساواة بالقانون لا بالعُرف، اقتربنا من بناء دولة حديثة تتساوى فيها الرؤوس.

أما الديمقراطية بلا مدنية، فهي مجرد ذرّ الرماد في العيون.

انتهى

Comments (0)
Login or Join to comment.