الاهتمام في خريف العمر…
وُلدت امرأةٌ بلا طفولة،
كبرت قبل أن تعرف اللعب،
فلم تُدلِّلها دمية، ولم تزر وجنتيها ضحكةٌ عابرة.
كانت الحياة تمسك بيديها الخشنتين منذ الصغر،
تُقايضها بين المزرعة والمطبخ،
وتُقنعها أن التعب قدر،
وأن الراحة مؤجَّلة… إلى الزواج.
تزوجت،
فظنّت أن الليل سيكافئ نهارها الطويل،
لكنها وقعت في قبضة رجل
لا يرى فيها إلا جسدًا يُستَخدم،
ومطبخًا لا يهدأ،
وفراشًا بلا روح.
أنجبت،
فلما أنجبت، خفّ وهجها في عينيه،
فانتزع منها فلذة كبدها
كما يُنتزع القلب من الصدر بلا تخدير،
وتركها خلفه
امرأةً مُكسَّرة،
وأمًّا بلا ابن.
عادت إلى بيت أهلها
لا كابنة…
بل كعبء.
لا كأمٍ مجروحة…
بل كجارية صامتة.
لم يُسمح لها أن تبكي،
ولا أن تشتكي،
ولا حتى أن تُسمّي ألمها باسمه.
فالمرأة هناك
لا يُطلب منها الشعور،
بل الصبر.
مرّت الأيام
تجرّها من المزرعة إلى الموقد،
ومن الموقد إلى الانتظار.
انتظار المخلّص…
فجاءها من باعها مرة أخرى،
رجلٌ لم يبحث عن زوجة،
بل عن أداة انتقام.
دخلت حياةً جديدة
ظنّتها خلاصًا،
فإذا هي جحيمٌ مؤجل.
بين زوجٍ قاسٍ
وضرّةٍ تُحسن الطعن في الخفاء،
صار النهار نزاعًا،
والليل إهانة،
والجسد ساحة حرب.
سنواتٌ تمضي
تحمل فيها وتُقاتل،
تلد وتُدفن أحلامها مع كل مولود،
حتى كبر الأبناء…
فانتظرت كلمة.
كلمة واحدة فقط.
لكنهم جاؤوا
نسخةً أخرى من القسوة،
يتقنون التمثيل أمام الناس،
ويُجيدون الجفاء في الخفاء.
أمٌّ حاضرة
غائبة،
تُرى ولا تُرى.
وفي يومٍ عادي
دخل بيتها حدثٌ غير عادي…
صديقُ أصغر أبنائها.
ناداها: “أمي”.
كلمةٌ بسيطة
لكنها سقطت على قلبها
كالمطر على أرضٍ عطشى منذ قرن.
قال لها:
تسلم يديك
الأكل لذيذ
ربنا يعطيك الصحة
ثم جاء يوم ميلادها…
يومٌ لم يكن يومًا من قبل.
اشترى لها كعكة،
أشعل لها شموعًا،
وصنع لها احتفالًا صغيرًا
بحجم قلبه الكبير.
صار يُقبّل يدها،
ويقول: أحبك يا أمي.
ويغيب…
ثم يعود هاتفًا
يسأل عنها،
عن صحتها،
عن حالها،
عنها هي…
لا عن واجبها.
تلك المرأة،
التي نادوها “عجوزًا”،
اكتشفت متأخرة
أنها إنسان.
اكتشفت أن الشكر ليس رفاهية،
وأن الثناء ليس ضعفًا،
وأن الاحترام
ليس حكرًا على الأقوياء.
لم تُحب الشاب لأنه قدّم الكثير،
بل لأنه قدّم الاهتمام.
ذلك الشيء الصغير
الذي غيّر عمرًا كاملًا،
وأعاد تعريف الكرامة،
وأثبت لها أن الحياء
ليس فقط أن تعطي…
بل أن يُقال لك: شكرًا.
في خريف العمر
لا نحتاج معجزات،
نحتاج كلمة،
نظرة،
اعترافًا بإنسانيتنا.
فالاهتمام…
هو آخر ما يُنقذ ما تبقّى فينا.
انتهى