العافية في عصر الرقمنه ،، Wellness in the digital age

تحدثنا في مقالات سابقة تحت عناوين: "الثورات الثلاث: مالها وما عليها"، "من صناعة الغذاء إلى زراعة اللحوم: إلى أين نحن ذاهبون؟"، "حركة الهدوء الكبير"، "وهل أنت بخير؟”، وخلصنا إلا أن السّياق الصّناعي هو الأخطر على عافية الإنسان والمخلوقات والكون - سواء بسواء - مقارنة بالسّياق الزراعي أو الرقمي. ونعني بالسّياق هنا الحالة التفاعلية - المجتمعية والكونية - المتداخلة التي صاحبت هذه الثورات (الزراعية، الصناعية، الرقمية) وما تمظهر خلالها من مناقب وايجابيّات، وما رشح -في المقابل- منها من مثالب وسلبيّات. وظلّت الحقبة الزمنية الممتدة التي مرّت على هذه السّياقات (الزراعية والصناعية) على وجه الخصوص، هي الفيصل في الوقوف على محاسنها ومثالبها.

 ولكن عند الحديث عن السّياق (العصر) الرقمي (الثورة الرقمية) فالحقبة الزمنية له مازالت في مهدها مقارنة بما هو آت. وعلى الرغم من مهدية (من المهد) العصر الرقمي، لم تعد الرقمنة - في العقديْن الأخيريْن - مجرّد أدوات نستخدمها، بل صارت بيئات افتراضية وواقعية نعيش داخلها، ونتواصل، ونتفاعل، ونتعلّم، بل ونتاجر ونتسوّق من خلالها. فالهاتف الجوّال لم يعد مجرد أداة نحملها، بل امتدادا حسّيا للانتباه والتفاعل والمتعة. فمنصات التواصل الاجتماعي ليست شاشات، بل أسواقا للمشاعر والتفاعل والتعارف والتثاقف، وقضاء الوقت والتواصل. والمنصات الخدمية (الحكومية والخاصة) من جهة أخرى، هي بوابات وفضاءات الكترونية تقْضى فيها مصالح الناس وحاجاتهم في شتى مجالات الحياة.

كما لا يمكننا فهم هذا التحوّل دون إدراك أن الانترنت الحديث لا يعمل بوصفه مكتبة محايدة، بل بوصفه بنية اقتصادية. بنية تربح من بقائنا أطول متسمّرين أمام الشاشات، ومن تكرار عودتنا إليها، ومن استثارة فضولنا وغضبنا وخوفنا وغالب مشاعرنا، وهذا ما يطلق عليه حديثا بـ "اقتصاد الانتباه" الذي تجاوزت أرباحه السّوقية مئات البلايين من الدولارات في عام 2024م، وهو التفسير البنيوي "للإرهاق الرقمي" الذي يعاني منه أغلبنا. حيث تبنى فلسفة ومحركات البحث في منصات التواصل الاجتماعي الحالية على عشرات، بل وربما مئات من النماذج الخوارزمية التي تهدف إلى الإدمان والاستبقاء والتتبع وتضخيم المحتوى السّام، ومن هنا يصبح التشتت وظيفة تصميمية، لا عرضا جانبيا. فالمنصات الاجتماعية قد لا تساعدنا على التعايش السلمي فقط، بل ربما في استهلاك وقتنا واهداره في أحايين كثيرة في تغذية خطاب الكراهية.

 وبناء على ما سبق - وهنا تحديدا - يتأرجح ويتقلّب مفهوم العافية في العصر الرقمي، ونتساءل: هل هي القدرة على تسْخير الرقمنة لخدمة العافية وجودة الحياة؟ أم هي القدرة على استعادة الانسان من قبضة الرقمنة حين تتحول من خدمة الى هيمنة؟ ومن هنا يبرز هذا السؤال الملح، ولم يمر بعد - على العصر الرقمي - الوقت الطويل، أي لا زلنا في بداياته. بين هذين القطبين (جودة الحياة والهيمنة) يتأرجح وعينا الجّماعي، وكأننا أمام ثنائية جديدة: عافية رقمية (Digital wellness) تعدُنا بالتحْسين المستمر في كل مناحي الحياة من خلال التحوّل الرقمي، وعافية تقليدية أو تناظرية (Analog wellness) تعني عافية ما قبل الرقمنة. عافية تذكّرنا بأن الانسان لا يتعافى بالقياس وبكم البيانات المتدفقة والمعلومات المتنوعة وحدها، بل بالمعنى الحقيقي للحياة.

وعطفا على ما سبق، جاءت الصّحة الرقمية (Digital health) بوعد مغْر للنّاس، بمعنى أن تصبح صحتهم أقرب، وأسرع، وأذكى، بالإضافة لخدمات استشارية عن بعد قصّرت المسافات بين الطبيب والمريض. فالسّجلّات الصحيّة الرقمية جعلت التاريخ المرضي أكثر اتساقا واستمرارية. فالأجهزة القابلة للارتداء نقلت ما كان مخفيا داخل الجسد الى بيانات مرئية: نبض، نوم، حركة، سكّر، ضغط. وأبعد من ذلك، ظهرت خوارزميات الذكاء الاصطناعي كطبقة جديدة من التنبؤ والتوقع لمخاطر محتملة، وأنماط خفيّة، وتنبيهات مبكرة. هذه الأمور في ظاهرها توحي بتقدم علمي واضح. بمعنى تحويل الصحة من رد فعل (طب تفاعلي) متأخر الى متابعة استباقية (طب استباقي) مبكّرة. لكن العلم والتجربة الحياتية كليهما يعلماننا أن كل مكسب له ثمن، وأن كل نظام معقّد حين يزيد التحكم فيه تزيد أيضا نقاط فشله. ولكن، حين تنضبط الصّحة الرقمية بمعايير أخلاقية وعلمية، يمكن أن تكون شكلا من أشكال العدالة الصحية. فهي توسّع الوصول الى الخدمة في الأماكن النائية، وتقلّل الهدر، وتدعم اتخاذ القرار السريري بالأدلة، وتمنح المريض دورا نشطا. لكنها في المقابل، حين تنفلت من الضوابط تتحول الى ما يشبه تسليع العافية. بمعنى اقتصاد يقيس كل شيء ليبيعنا شعورا بالأمان. هنا تظهر مفارقة فلسفية مهمة، فنحن حين نطلب الطمأنينة، نحصل على أرقام. وعندما نطلب المعنى، نحصل على رسوم بيانية. وعندما نطلب الصحة، نحصل على قلق مقنن يتجدّد كلما فتحنا تطبيقاتنا.

ومن منظور علم النفس العصبي، فالانتباه مورد محدود، والدماغ لم يتطوّر ليتعامل مع فيض وكم هائل من الإشارات والاشعارات والمثيرات المتدفقة على مدار الساعة. كل تنبيه أو مثير صغير يشبه طرقة على باب الوعي، ومع تكرار الطرق يصير البيت كله في حالة ترقب. هكذا يتآكل التركيز، ويصبح الذهن مهيأ للاستجابة لا للتأمل. ومع الوقت تتغير علاقتنا بذواتنا، فنبدأ في رؤية جسدنا من خلال لوحة تحكّم (Dashboard)، لا ككائن حي له ايقاعه الخاص. فننام لكي نقيس ونتابع ذبذبات نومنا، لا لكي نرتاح. ونمشي لكي نغلق الحلقة في تطبيق المشي، لا لكي نتنفّس الهواء النقي. نأكل لكي نلتزم بالمؤشر الكالوري الغذائي، لا لكي نحيا علاقة طبيعية مع الطعام.

ومن هنا، تبرز وبشدة الحركة المعاكسة للعافية الرقمية (Digital wellness)، والتي يطلق عليها حاليا بالعافية التقليدية أو العافية التناظرية (Analog wellness) . وفي هذا السّياق، قدم تقرير اتجاهات العافية (Wellness trends 2025) الصادر عن قمة العافية العالمية مفهوما مركزيا لها، بوصفها اتجاها يعبر عن رد فعل متنام تجاه التشبع الرقمي لا باعتباره رفضا للتقنية، بل كمحاولة لاستعادة مساحات من الخبرة الانسانية التي تآكلت بفعل الاتصال الرقمي الدائم. وهي دعوة ملحّة الى استعادة ما قبل الرقمنة ليس باعتباره ماضيا رومانسيا، بل باعتباره مصدرا لأبجديات العافية. هذه الحركة لا تكره التقنية بقدر ما تخاف من تحولها الى وسيط تقني افتراضي وحيد للحياة. فالعافية التقليدية/التناظرية تقول لنا: لكي نعود الى أنفسنا، علينا أن نخرج من الضوضاء. وأن نأخذ مسافة من الشاشة كي نسمع ما لا يقاس. وأن نقطع تماما أحيانا عن الأجهزة الرقمية، لا بوصفه هروبا، بل بوصفه صياما ذهنيا. بمعنى صوما يشبه منطق الصوْم الجسدي، فالامتناع ليس عقابا، بل إعادة ضبط للشّهية. فالإنسان حين ينقطع عن التدفق الكمي الهائل والمستمر للإشارات والتنبيهات طوال اليوم والليلة يستعيد قدرة قديمة، وهي القدرة على المللْ الخلاّق – إذا جاز التعبير - ذلك الفراغ الذي يولد منه التفكير العميق، والخيال الخصيب، والقرار الحر. وبناء عليه، وفي مواجهة اقتصاد الانتباه الجارح والجارف، تصبح العافية التناظرية أشبه بعملية استرداد السلطة على الزمن، واسترداد القدرة على اختيار المثيرات بدلا من الخضوع لها.

ويجب التنويه إلى أن العافية التناظرية تقوم على مسارين متلازمين، أولهما: تسجيل الخروج الكبير (great logging off) وفصل الأجهزة الكهربائية (unplugging) لتقليل وقت الشاشة، ومغادرة أو خفض استخدام بعض المنصات، مع اعادة بناء حدود عملية ونفسّية بين العمل والحياة، والتحكّم في تدفق الاشعارات والمثيرات. وثانيهما: التشغيل التناظري (Analog-ing)، وهو البعد الأكثر تميّزا في المفهوم، حيث لا يكفي الانقطاع بذاته، بل يجب ملء الزمن المستعاد بأنشطة غير رقمية، كهوايات يدوية ملموسة (رسم، خط، حياكة وتطريز، ديكور، الخ)، ونشاط بدني غير مراقب بالضرورة، وتواصل حضوري، وابداع، وممارسات مجتمعية. بهذا تتجاوز العافية التناظرية مفهوم الديتوكس الرقمي (Digital detox) الذي يركز على المنع، لتؤكّد على القصْدية، بمعنى ماذا نفعل خارج الشاشة؟ وأي حياة نعيد بناءها حين نستعيد الانتباه؟

لكن هذه العافية التقليدية/التناظرية تحمل أيضا تحديا علميا في تساؤل فلسفي مهم: هل العودة الى ما قبل الرقمنة ممكنة فعلا، أم أنها خطاب مثالي لا يعيش داخل تعقيدات الواقع؟ فالعصر الرقمي - كما أسلفنا - ليس فقط أجهزة وشاشات، بل بنية عمل وتعليم وعلاقات، وفضاء عام شبكي الكتروني، وكسب وخسارة، وإدارة منظومات خدمية متنوعة تشعّبت في أغلب مناحي الحياة. فالانقطاع التام قد يكون رفاهية للبعض، وعبئا للبعض الآخر بالتأكيد. ولذلك يصبح السؤال الأدق: كيف نصوغ ونعيش عافية وسطيّة لا تتطرف؟ عافية لا تذوب في التقنية ولا تعاديها؟ 

ربما يكون الحل في فهم العافية كفن إدارة الحدود. والحدود هنا لا نعنى بها أسوارا بالمفهوم التقليدي، بل هي إشارات واشعارات ومثيرات، وتنبيهات رقمية. أن نعرف متى نستخدم التقنية ومتى نتوقف عنها. أن نحوّل الهاتف من سيّد متحكم فينا الى أداة مطواعة ومسخّرة لنا. أن نجعل البيانات خادمة للوعي لا بديلة عنه. فالعلم يقدم لنا هنا مفهوما مهما وهو التوازن المستدام. فالجسد يحافظ على توازنه عبر تعديلات دقيقة طفيفة داعمة، لا عبر انقلاب جذري كامل. وكذلك العقل، لا يحتاج دائما الى قطيعة جذرية، بل الى طقوس وعادات صغيرة مستمرة تعيد تنظيمه: فالحل يكمن ربما في ساعات بلا شاشة، وصباحات بلا اشعارات، وأوقات أكل بلا هاتف، ونوم عميق لا يسبقه ضوء أزرق، ولا يقطعه تنبيهات دعائية.

ومن منظور الصحة العامة، يمكننا تخيّل العافية الرقمية كطبقة بنيوية من نظم ونماذج تسهّل الوصول، وتطبيقات وخوارزميات موثوقة، وتوعية مبنية على الدليل، ومراقبة للأمراض المزمنة، ودعم للصحة النفسية عبر قنوات آمنة. وفي المقابل تكون العافية التناظرية طبقة إنسانية من خلال المشي في الطبيعة، والعلاقات الحيّة الواقعية، والعادات والمناسبات الاجتماعية، وكذلك العبادة والذكر والتسبيح والصلاة والصوم والتفكر، والنوم الطبيعي، والطعام العضوي غير المصنّع. كل طبقة من هذه الطبقات تعالج نقصا في الأخرى. فالرقمية تمنح الدقة والاتساع، والتناظرية تمنح الدفء والمعنى.

يبقى أن ندرك خطرا خفيّا مهما وهو أن تتحوّل العافية الرقمية نفسها الى عبء. حين تصبح الصحة مشروعا لمراقبة ذاتية مستمرة عبر الشاشات الرقمية، فينقلب الهدف. لذا علينا هنا أن ندرك بأن الفضيلة حين تخرج عن حدها تتحوّل الى رذيلة. فالاهتمام بالصحة فضيلة، لكن الهوس بها قد يصير سجنا لا يطاق. فاستخدام التقنية نعمة، لكن الارتهان لها قد يصير فقدانا للحرية. والانقطاع عنها علاج، لكن تحويله الى هوية متعالية قد يصير انفصالا عن المجتمع. فالعافية الحقيقية في العصر الرقمي ليست في اختيار معسكر ضد آخر، بل في صياغة عقد جديد بين الانسان والتقنية. عقد يعترف بأن التكنولوجيا يمكن أن توسّع قدراتنا ومداركنا، لكنه يرفض أن تسْتبْدل إنسانيّتنا. عقد يجعل القياس وسيلة لا غاية، ويجعل الوعي قائدا لا تابعا. وحين ننجح في هذا العقد نكتشف أن العافية ليست حالة مثالية ثابتة، بل حركة ذكية بين قطبين: أن نستفيد من الرقمنة دون أن نفقد أنفسنا فيها، وأن نستعيد بساطة الحياة دون أن نتنكر لواقعنا.

وفي النهاية، قد يكون التعريف الأبسط والأكثر عمقا للعافية في العصر الرقمي هو أن نظل قادرين على الانتباه لما يستحق، وأن نظل مالكين لأوقاتنا، وأن نستطيع أن نقول نعم للتقنية حين تخدمنا، ولا حين تستنزفنا. وأن نستعيد حقنا القديم في الصمت، وحقنا الجديد في المعرفة، دون أن يخوّن أحدهما الآخر. هذه ليست معركة ضد الشاشة، بل معركة من أجل الانسان.

يعطيكم العافية،،،

ولمعرفة المزيد عن العافية التناظرية، انصح بالاطلاع على تقرير اتجاهات العافية 2025م، بالنقر ع الروابط التالية:

https://www.globalwellnesssummit.com/global-wellness-trends-2/

https://www.thegoodtrade.com/features/what-is-analog-wellness/

التعليقات (0)