جنة الدنيا!!!
دائمًا كان يشغلني سؤال: هل عندما تتوافر ظروف الرفاهية المطلقة على الأرض نكون قد وصلنا إلى نقطة النهاية، وتصبح حياتنا أشبه بالجنة في الدنيا؟ أعني جنة مادية دنيوية، لا جنة الخلد. هل يمكن للإنسان أن يصل بالتطور إلى حل كل المشكلات، فيزداد تعلقه بالحياة أكثر فأكثر؟
لو قارنا حياتنا اليوم بحياة البشر ما قبل التاريخ، ثم أحضرنا شخصًا من ذلك الزمن ليعيش بيننا، لقال فورًا: أنتم في جنة! ماء بارد، طعام بأصناف وأشكال، بيوت دافئة شتاءً وباردة صيفًا، مركوبات مريحة وسريعة، ملابس، عطور، وترفيه. وإذا تقدمنا بالفكر ألف سنة إلى المستقبل، سنجد الإنسان في مستوى أعلى من الرفاهية، وهكذا مع مرور السنوات. كل ذلك يقود إلى فكرة أننا نسير باتجاه “جنة أرضية”، على الأقل من ناحية مستوى المعيشة.
لكن… قرأت عن تجربة لِـ”كالهون” وصف نتائجها بـ “موت السلوك” (Behavioral Sink)، حيث أظهر أن الوفرة المطلقة بلا تحديات أو نظام اجتماعي صحي قد تقود إلى انهيار المجتمع. كالهون وفّر مستعمرة فئران ببيئة مثالية: غذاء غير محدود، ماء متوفر دائمًا، حرارة معتدلة، غياب للمفترسات، ومساحة واسعة. في البداية ازدهرت الفئران وتكاثرت بسرعة، ثم بعد 18-24 شهرًا وصلت المستعمرة إلى الذروة وبدأ الانهيار:
- رغم وفرة المكان، الفئران تجمعت في أماكن محددة، وحدث اكتظاظ اجتماعي.
- ظهرت اضطرابات سلوكية؛ فئران انعزلت، أخرى أصبحت عدوانية، والأمهات أهملن صغارهن أو قتلوهم.
- برزت فئة “الجميلين” (The Beautiful Ones): ذكور لا تقاتل ولا تتزاوج، اكتفت بالأكل والنوم وتنظيف فرائها، بلا أي دور اجتماعي.
- مع الوقت توقف التكاثر، زادت العدوانية، وانقرضت المستعمرة رغم استمرار توفر الموارد.
الدرس أن الرفاهية المطلقة ليست بالضرورة جنة، بل قد تكون بذرة للفناء. فلا ينفع أن نعيش “جنة الدنيا” بسلوكنا الحالي أو بعقولنا المبرمجة على الدنيا، كما لا ينفع أن نعيش طويلاً بلا معنى. الموت في حد ذاته حل من حلول دورة الحياة، والفقر والضنك وتحديات العيش تعطي للحياة معنى وتجعل الإنسان في حركة مستمرة لتغطية التزاماته، فينشغل باللهو الجاد عن الفراغ القاتل.
الجنة الحقيقية لها مقوماتها وظروفها وسلوكها ونفسياتها، وهي ليست على الأرض. أما جنة الدنيا، فهي مجرد وهم مؤقت قد يقود إلى التدهور لا الرفعة.
هذا والله أعلم.
انتهى