خارج الإدراك…

أتذكّر مرحلة عمرية كنت أستمع فيها إلى الشيخ محمد متولي الشعراوي بكثرة وبنَهَم، لأنه كان مختلفًا عن كثيرٍ من أهل عصره؛ يوظّف العقل فيما يقول، لا مجرّد النقل كما يفعل البعض. ومن أكثر ما علِق بذهني في تلك الفترة قوله:

"الموت الحقيقة الغائبة"

أي أن الإنسان يعلم أنه سيموت، لكنه لا يعمل عمل من أيقن بالموت.

هذا المعنى يقودني إلى التأمل في حال بعض الناس على سطح الأرض؛ يعلمون يقينًا أنه في الجانب الآخر من هذا العالم مكانًا يمكن أن يعيشوا فيه بعزّة وكرامة، وأن المطلوب فقط هو الحركة، ومع ذلك لا يتحركون. يختارون البقاء أسرى الفقر والظلم والإهانة، ولا ندري لماذا؟ رغم إيمانهم بأن الله هو الرزّاق، وأنه سيرزقهم هناك كما يرزقهم هنا!

كما أن الإنسان، وخاصة المسلم، يُدرك أن ما بعد الموت لا حدود فيه، ولا جغرافيا، ولا جنسيات، ولا مناصب؛ ﴿يوم تُبدَّل الأرض غير الأرض﴾،

ومع ذلك يموت دفاعًا عن أفكار تنتهي بانتهائه، ويسرق أموالًا يعلم يقينًا أنه لن ينفقها وسيُحاسب عليها، ويتعصّب لقبيلة أو جماعة أو جنسية، وهو يعلم: ﴿وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا﴾.

وهنا نصل إلى حقيقة مهمّة: المعرفة ليست إدراكًا. عندما تُدرك أن شرب السم سيؤدي حتمًا إلى الموت، لا تقترب منه ولا تلمسه، وإن لامسته غسلت يديك مرات، لأن النتيجة مؤكدة وقريبة.

أما حين تعرف أن السرعة ليلًا في طريق ضيّق قد تؤدي إلى حادث قاتل، فإنك تُغامر، متشبثًا باحتمال أن يكون لك نصيب من السلامة.

أهلنا فهموا هذا الفرق مبكرًا، فربّونا على تضخيم الاحتمال السيّئ حتى ننجو نحن والحق سواء كما يقولون. فقالوا:

"لا بارك الله في الخطر وإن كانت عاقبته سلامة"،

وقالوا: "اللي خاف سَلِم"،

وقالوا: "اللي ما يخاف ما يخوّف".

كل ذلك لرفع مستوى الإدراك عند الفرد، ليحسب خطواته، ويقدّر العواقب، ويتخذ قراره بوعي، حتى لا يندم على ما ستؤول إليه نتائج قرارته.

انتهى

التعليقات (0)