رؤية …

يقولون: “تغرّب رجب ترى عجب.”

فما بالك بمن تغرّب أكثر من عشرين عامًا؟

بعد هذه السنوات الطويلة في الغربة،

تصل في النهاية إلى حقيقةٍ بسيطة

قالها سيد الكائنات قبل أكثر من ألفٍ وأربعمائة عام:

“من أصبح منكم آمنًا في سربه،

معافى في بدنه،

عنده قوت يومه،

فكأنما حيزت له الدنيا.”

الحياة على الأرض قصيرة،

إذا ما قورنت بما بعدها من حسابٍ وخلود.

ولهذا، ليس المهم فقط أن تعيش…

بل أن تعرف أين تعيش

وكيف تعيش.

في شبابنا كنا نلوم أصدقاءنا الطرابلسية

الذين يسكنون بيوتًا ضيقة في قلب طرابلس،

وكنا نقول لهم:

لو بعتم هذه البيوت

لاشتريتم بثمنها مزرعة وبيتًا ودكاكين،

وعشتم في سعةٍ من الأرض

بعيدًا عن ضيق العاصمة.

لكننا لم نكن ندرك آنذاك

أن الإنسان أحيانًا يسكن المكان،

وأحيانًا يسكنه المكان.

فارتباط التاريخ والذكريات

يجعل الإنسان يقبل ظروفًا

قد تكون صحية ونفسية واقتصادية صعبة.

ومع ذلك…

فإن الهجرة لم تكن يومًا غريبة عن تاريخ البشر.

حين ضاق المقام بسيد الكائنات في مكة

هاجر إلى المدينة،

وصارت الهجرة تاريخًا يؤرخ به المسلمون إلى يومنا هذا.

وقبل ذلك

هاجر الصحابة إلى الحبشة طلبًا للأمان.

ولو تأملت سير الصحابة

لوجدت أن كثيرًا منهم

لم تكن قبورهم في أماكن ولادتهم.

فالإنسان ليس شجرة

حتى يبقى حيث وُلد.

وكما يقول إخوتنا السوريون في مثلهم:

“وين ما ترزق… إلزق.”

فإذا وجدت الأمن،

والصحة،

وقوت يومك…

فقد وجدت كثيرًا من الدنيا.

وإن لم تجدها،

فلا تتردد في مواصلة الرحلة…

حتى تعثر على المكان

الذي يليق بحياتك.

انتهى 

Comments (0)
Login or Join to comment.