شيء من الماضي: القفة نايت!!!
للحقيبة في ليبيا قصة قديمة، قِدم التاريخ الليبي الحديث، فقد رافقت الإنسان الليبي في حله وترحاله، وتغيرت أشكالها ومسمياتها واستخداماتها بتغير ظروف الحياة وتطور المجتمع. لم يكن لدى الليبي القديم إلا ما يُسمى "المخلة"، وهناك من يسميها "المخلاة"، وهي حقيبة كتف تشبه الحقائب التي تحملها النساء اليوم، يضع فيها طعامه من تمر أو كسرات خبز، إلى جانب أغراضه الشخصية الأخرى، فتكون رفيقته في الحل والترحال؛ أما "الشليف" فهو الاسم الذي يُطلق على المخلاة الكبيرة. وهناك أيضًا "السُرّة" أو "الصُرّة"، وهي قطعة من القماش تُجمع فيها الملابس والأغراض الشخصية، ثم تُربط أطرافها ببعضها لتُحمل عند التنقل والسفر. وتختلف هذه المسميات من منطقة إلى أخرى، بل أحيانًا من عائلة إلى أخرى داخل المنطقة نفسها.
أما السلة التي تُسمى "العلاقة" أو "الصايبة" أو "القفة"، كما يطلق عليها أهل فزان، فلها قصة أخرى مع المجتمع الليبي. تُصنع في العادة من سعف النخيل، وتشتهر مدينة مرزق بصناعتها، ولها أحجام عديدة، ويطلق عليها البعض أيضًا اسم "القرطله". وكان الحجم الكبير منها هو الأكثر شيوعًا في الأفراح والمناسبات، حتى أصبحت القفة شاهدًا على زيجات كثيرة في المجتمع الليبي، بل إن بعض أيام الزواج كانت تُعرف باسم "يوم العلاقة" أو "يوم القفة". وللقفة أحجام أخرى واستخدامات متعددة، فمنها ما يرافق الفلاح في جني المحصول، ومنها ما يحمله الطفل لإحضار الخبز من الفرن، أو "الكوشة" كما نسميها. وما زالت القفة تقاوم حتى يومنا هذا، رغم التطورات التكنولوجية التي شهدها المجتمع، ودخول عشرات الأنواع من الحقائب والسلال الحديثة. ولا بد هنا من الإشارة إلى أحد أكبر أنواع القفف، وهو "الزمبيل"، وعاء كبير يُصنع من سعف النخيل، يشبه القفة في طريقة صناعته، لكنه أوسع منها، ويشبه الزير في شكله. وكان يُستخدم لتخزين التمر المجفف، ويسمى التمر "الحويل"، إلى جانب استخدامات أخرى. وكان يرافق القفة نوع آخر من وسائل حفظ الأغراض، وهو الصندوق الخشبي الذي يشبه في شكله الحقيبة الكبيرة، ويوضع عادة في غرف النوم. وكانت الأمهات يحتفظن فيه بأغراضهن الشخصية، من أمشاط ومكحلة وبخور، وما لديهن من مجوهرات إن كانت الأسرة مقتدرة.
ومع دخول الاستعمار الإيطالي، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الحقيبة الليبية، فقد جاءت "الفاليجة" (Valigia)، وهي كلمة إيطالية تعني الحقيبة، وأصبحت تُطلق على الشكل الحديث لحقيبة السفر. استخدمها الناس في السفر، وخاصة عند الذهاب إلى الحج، ثم انتشر استعمالها، وأصبح الرجال يضعون فيها أوراقهم ومستنداتهم وأغراضهم الخاصة. وكان مكانها المعتاد تحت السرير، أو "الكريولة"، في غرفة النوم. ولم تكن الفاليجة تحتوي على أقسام وجيوب كثيرة كما هو الحال اليوم، بل كانت في الغالب تتكون من مساحة واحدة تُغلق، ويوضع عليها قفل نحاسي صغير حتى لا يعبث أحد بمحتوياتها. ومع مرور الزمن، أصبحت الفاليجة تُعرف باسم "الشنطة".
ثم ظهرت حقيبة مكتبية صغيرة يحملها الرجال في أيديهم، واشتهرت باسم "سمسونايت" (Samsonite)، نسبة إلى الشركة المعروفة بصناعة الحقائب، والتي ما زالت تنتج أنواعًا مختلفة منها حتى اليوم. وهنا ظهر مصطلح ليبي ساخر، شاع بين جيل الستينيات والسبعينيات ومن سبقهم، وهو "القفة نايت"!!! وهو اسم هزلي جمع بين "القفة"، و"نايت" المأخوذة من اسم سمسونايت، هذه الحقيبة كان يحملها الموظف في يده، وانتشرت في المسلسلات القديمة، وخاصة في أدوار المحامين والمديرين، ثم أصبحت من مظاهر رجال الأعمال، وانتقلت منهم إلى مديري مكاتبهم وغيرهم من الموظفين. ومع انتشار هذا النوع من الحقائب، شاع استخدام مسميات أخرى مرتبطة بها، مثل "الحقيبة الدبلوماسية" التي تُنقل فيها المستندات والمراسلات الرسمية، و"الحقيبة الوزارية" وغيرها من التعبيرات التي ارتبطت بالمناصب والوظائف الرسمية، وإن كانت بعض هذه المسميات أوسع معنى من الحقيبة نفسها. ولأن هذه الحقيبة انتشرت في عالم الرجال وارتبطت بهم، ظهرت حقيبة موازية في عالم النساء، عُرفت باسم "شنطة دهب"، وهي حقيبة صغيرة مكعبة الشكل، تستخدمها النساء المتزوجات لحفظ مجوهراتهن وحليهن، أما اليوم فقد أصبحت بعض الحقائب المشابهة تُستخدم بصورة أكبر لحفظ أدوات المكياج والزينة. ولم يكن الأطفال بعيدين عن هذا التطور، فقد ظهرت لهم "الشنطة المدرسية"، أو كما أصبحنا نسميها بصورة أكثر تحضرًا "الحقيبة المدرسية"، التي رافقت أجيالًا من التلاميذ، وتغير شكلها وحجمها وطريقة حملها مع مرور الزمن.
وهكذا، من المخلاة والشليف والصُرّة، إلى القفة والزمبيل، ومن الصندوق الخشبي إلى الفاليجة والسمسونايت، ثم شنطة الذهب والحقيبة المدرسية، ظلت الحقيبة حاضرة في تفاصيل حياة الليبيين. فالحقيبة، أيًّا كان شكلها أو اسمها، ليست إلا وسيلة لنقل الأغراض والأمتعة وحفظها، لكنها في الوقت نفسه تحمل شيئًا من تاريخ المجتمع الذي استخدمها. لقد تطورت الحقيبة مع تطور حياة الليبيين، وتغيرت بتغير حاجاتهم وعاداتهم، وظلت شاهدة على انتقال المجتمع من حياة بسيطة تعتمد على ما تصنعه الأيدي من سعف النخيل والقماش والخشب، إلى عالم الحقائب الحديثة بأشكالها وأسمائها وعلاماتها التجارية العالمية. وما بين القفة والسمسونايت، بقيت "القفة نايت" شاهدًا على روح الدعابة الليبية، التي تستطيع أن تمنح الأشياء الجديدة أسماء مستمدة من ذاكرتها القديمة.
انتهى