عاشوراء في قريتي،،،،

قصة قصيرة:

=========

كالعادة، كان الفطور عصيدة، والغداء فتاتًا بالهريسة وعصبان الشمس.

قالت لي أمي:

اليوم الشباب بيخطموا عليك، بتمشوا تغسلوا الليف للشيشباني غدوة؟

كانت تملس العيش في القعد وهي تسألني:

بديروا ناقة العظام غدوة؟

قلت لها:

أكيد، الشباب أمحصّلين راس حمار، حاشاك، وبيديروا لزومة لغدوة.

ابتسمت وقالت:

تربح يا ولدي، كان لبسوك الليف وداروك شيشباني، رآك تضرب العويلة. أوليت عام لول ولد عمتك تاتوم طاح في الساقية وانكسرت إيده. تربح فكّنا من الدعاوي.

قلت:

حاضر يمّه.

حضر الوالد، وأكلنا، ثم دخل إلى المربوعة كعادته ليستمع إلى إذاعة لندن.

سمعته ينادي:

يا ليد… يا ليد… تعال جيبلي عماير جدد، هذيم شكلهم ما عاد ينفعوا.

أجبته:

حاضر.

وأنا أبحث عنها تساءلت:

وين حاطينهم؟

قال:

شوف أمك، بالك في صندوقها متاع الخربش.

أحضرت البطاريات، وشغّل الوالد الراديو على إذاعة لندن. وما هي إلا دقائق حتى سمعت صوتًا أعرفه جيدًا… جخير أبي!

كان لا يكاد يبدأ في سماع الأخبار حتى يغلبه النوم. كان يقول دائمًا:

“السياسة صنعة من لا صنعة له.”

استيقظنا عصرًا على شاهي العصر، وثلاثة طواسي الشاي المقدسة عند الوالد، والثالثة باللوز طبعًا.

كان الوالد يتبادل الحديث مع أمي عن المستقبل، وفي ذلك اليوم أعلن عزمه على شراء بقرة.

قال:

شراء بقرة أحسن من شراء الحليب كل يوم.

أما أمي فرفضت، وهي تقول: 

أمي ترفض لانها تعتقد أنها سوف تعانهيا بروحها..

بعد ساعة مرّ عليّ الشباب، وذهبنا إلى الجابية لنغسل الليف، وسط الضحك والمرح.

غدًا المولد، وبعد غدٍ سأغادر قريتي، عائدًا إلى جامعتي، بعد إجازة قصيرة قضيتها بين أبي وأمي وإخوتي.

وفي مساء اليوم التالي، وبعد صلاة المغرب، ألبسني الشباب الليف، وصرت الشيشباني.

اجتمع الأطفال حولي وهم يرددون:

“الشيشباني ياباني…

هذا حال الشيشباني…

هذا حاله وأحواله…

ربي يطيّح مزاله.”

أجري خلفهم بعصاي، محاولًا إصابة أحدهم، لكنهم كانوا يتفرقون كالجراد، يختبئون في البيوت، وبين الأزقة، وتحت الشرفات.

وهكذا كان الشيشباني… خوفًا ممزوجًا بالضحك، ورعبًا تغلب عليه الفكاهة.

وفي الجهة الأخرى، كانت ناقة العظام تجوب الأزقة، والأطفال يهتفون:

“كرطمي يا ناقة العظام…

كرطمي كان تبي الصليان.”

وكان فم رأس الحمار يفتح ويغلق، مصدراً تلك الطقطقة المعروفة.

يرمي بعض الأطفال حبات التمر، ويرمي آخرون نوى التمر داخل فم ناقة العظام، بينما الشاب المختبئ داخلها يجمع ما يسقط في مخلة يحملها.

ودائمًا، كان من داخل ناقة العظام أوفر حظًا من الشيشباني.

في تلك الليلة كان لعاشوراء طعم آخر.

عدت إلى البيت، وضبطت المنبه، فغدًا سأغادر قريتي، عائدًا إلى حياة المدينة، والجامعة، والدراسة.

وعند السادسة والربع…

رنّ المنبه.

فتحت عيني…

نظرت يمينًا ويسارًا.

سألتني زوجتي:

خيرك؟ بسم الله… شنو فيه؟

أدركت حينها أنني كنت أحلم.

آه… ليس هذا منبه أبي، بل منبهي الذي يوقظني كل صباح للصلاة، ثم لأوصل أولادي إلى مدارسهم.

يا الله…كل تلك اللحظات الجميلة التي عشتها قبل قليل كانت حلمًا.

انتهى

Comments (0)
Login or Join to comment.