عزايزنا والبيئة!!!
عشنا حياة علّمتنا فيها أمهاتنا الأميّات معنى المحافظة على البيئة، رغم أنهن لم يدرسن في المدارس. لم يكن ذلك نتيجة معرفة علمية بالتلوث أو المناخ، بل كان نداءً داخليًا يمكن أن نسميه اليوم الفطرة.
كانت كل الأشياء تُستعمل أكثر من مرة. الخشب المتبقي من البناء أو صناديق الأثاث يُجمع ويوضع قرب التنور ليُستخدم حطبًا لخبز التنور. البرطمانات تُغسل وتتحول إلى حافظات للبهارات، وعلب حليب النيدو تُستعمل لحفظ الأغراض. القنينات يُحفظ فيها الرُّب (دبس التمر) بعد إعداده، والأواني القديمة يُقدَّم فيها الطعام للحيوانات الأليفة في البيت أو المزرعة.
حتى الطعام لم يكن يُهدر؛ ما يزيد يُعطى للأغنام أو للكلاب والقطط. والصناديق الفارغة تُستعمل للتخزين أو لإشعال النار قبل وضع الحطب في التنور. الجرائد والمجلات كانت تُستعمل لتغليف سندوتشات المدرسة. أما الملابس فكانت تنتقل من الأخ الأكبر إلى الأصغر، وقد تصل أحيانًا إلى أبناء الأقارب أو الجيران إذا كانت بحالة جيدة. لم يكن أحد يتعفف من القديم أو مما يُقدَّم له.
حتى الخبز الزائد كان يُكسر ويُعطى للمواشي. وما يتبقى يُرمى في مكب البيت الذي كنا نسميه “الكناسة”. وكانت الكناسة نفسها مكانًا يبدع فيه الأطفال؛ يصنعون من العلب الفارغة سيارات وعرائس وألعابًا بسيطة. وفي نهاية الشهر تُحرق المخلفات الخفيفة حتى لا تنقلها الرياح، وكنا نستمتع أحيانًا بصوت انفجار القنينات المعدنية الفارغة عندما تشتعل النار.
كبرنا وذهبنا إلى المدارس والجامعات، وتعلمنا هناك دروسًا بعنوان الحفاظ على البيئة. قيل لنا: لا تلوثوا البيئة، وقللوا من المخلفات، كنت اتسأل أليس هذا ما كانت تقوم به أمي؟
ثم سافرت إلى أمريكا وبعدها إلى كندا، فوجدت ما كانت تفعله أمي ايضاً… ولكن بطريقة حديثة ومنظمة. هناك يتم فصل الورق عن الزجاج عن العلب المعدنية فيما يسمى إعادة التدوير، وتُجمع بقايا الطعام لصناعة السماد العضوي، بينما تُعالج بقية النفايات بتقنيات خاصة.
عندها أدركت أن أمهاتنا كنّ يعلمننا الحفاظ على البيئة قبل أن نسمع بهذه المصطلحات. علّمننا ذلك سلوكًا يوميًا لا مادة دراسية.
رحم الله العزايز اللواتي علّمننا الأدب والعلم بالفعل قبل القول، وجعلن احترام الأرض منهج حياة.
انتهى