ماء وملح!!!
عند شراء الحمام، كنا نستقبله بالماء والسكر؛ حيث يضع المربي الماء المحلّى في فمه، ثم يقدّمه للحمامة لتشرب، اعتقادًا بأنها ستألف المكان الجديد وتنسى موطنها الأول.
وكذلك العروس، في بعض المناطق، تُستقبل في بيت زوجها بالماء والسكر، تقدمه لها والدة العريس قبل دخولها، في طقس رمزي يُراد به أن تألف البيت وتطمئن إليه، وتكون سببًا في عمار الدار، وأن تكون أيامها القادمة حلوة.
لكن حين ننتقل إلى العلاقات بين الناس، نجد تعبيرًا أعمق: “بيننا ماء وملح” أو “بيننا عيش وملح”، والعيش هو الخبز. وهنا تتحول الرمزية إلى التزام أخلاقي؛ فمن أكلت معه عيشًا وملحًا، يصعب عليك خيانته أو إيذاؤه، ويصبح ماله وعرضه ودمه عليك حرامًا. بل إن العرف يجعل الغدر والخيانة عارًا لا يُغتفر.
هذه الرموز (الماء والسكر، الماء والملح، العيش والملح) ليست مجرد عادات، بل أدوات اجتماعية لتهذيب السلوك، وخلق رقابة ذاتية بين أفراد المجتمع. فهي تغرس في الإنسان احترام من أطعمه وآواه، حتى في غياب القانون.
وإذا نظرت إلى سلوك المجتمع في الطعام، وجدت أن الناس تتعازم في الأفراح، ويُقدَّم الطعام في الأتراح، هذا غير الولائم، وموائد الإفطار في المساجد، وضيافة الضيف، و”تدويقة الجار” بما يُطهى في البيوت. باب واسع من الكرم، وكأنه يصب في ترسيخ الحرمة بين أفراد المجتمع، خاصة من تعيش بينهم أو تزورهم.
وكأن المجتمعات العربية وضعت قاعدة: “الماء والملح والعيش والملح”، وحثّت أفرادها على الكرم وإطعام الطعام لتأكيد هذه القيم.
فالمجتمع الذي يمتلك هذه القيم يستطيع أن يكبح الفوضى من داخله، أما المجتمع الذي يقوم على القانون فقط، فإذا غاب القانون تحوّل إلى غابة…
لا ضوابط فيها إلا: “إيدك وحديدك” كما يقال.
انتهى