من الذاكرة المناجاة…الصفحة الثالثة
من الذاكرة المناجاة…الصفحة الثالثة
على مرسال
وبهدوء جلست على مقعدي الصغير في مكتبي ،واحسست انه يوم جميل وانا أرى الشمس من كل نوافذ المكتب وعلى مكتبي احسست اني في عالم آخر، لا بداية له ولا نهاية ، كأنه عالم ممتد بدايته ونهايته تماما , على المائدة الصغيرة التي أمامي ، تناولت فنجان القهوة و احسست ان قوتي قد عادت الي وانني استطيع ان اخذ خطوات صغيرة إلى الأمام باتجاه الباب المفتوح ،لمحت ان هناك ضل شيخ يجلس على مائدة صغيرة وأمامه كوب ماء وسألني ما إذا كنت اريد ان اشرب من هذا الماء ،واعطاني كوبا صغيرا لم اذق مثله في حياتي وبدون اي حساب للوقت كان الماء قد استقر في معدتي واحسست بان شيء ما قد تغير في داخلي ،،سالت ذلك الشيخ من انت ومن اين اتيت قال ستعرف ذلك قريبا ان شاء الله،احسست بالامان وانا قريب منه ولكن مع ذلك بدا العرق يتصبب من جبيني سالته من اين جاء هذا الماء الرائع المذاق ، لن اخبرك الان رد الشيخ ، زاد جوابه من حيرتي و فضولي ، الا تخبرني من اين انت قادم ، وما قصه هذا الماء العجيب ،ضل صامت برهتا ثم قال هذا ماء والشفاء ولعلك لن تنساه ابدا ,عندما قمت تفقد ما لدي من مال له قام من كرسيه وفتح الباب ثم خرج،وبهذه الاثناء سمعت طارق جديد يقول لي قم دكتور داخل سيارة الإسعاف، كانت مشاعري متناقضة: خوف شديد من الموت، وراحة غريبة أنني لم أعد وحدي. وضعت قناع الأكسجين على وجهي وشعرت بنفَس أعمق قليلاً، ثم سمعت المسعف يهمس للطبيب عبر اللاسلكي: "الاشتباه بنوبة قلبية، المريض بحاجة إلى فحص عاجل."
عند وصولي إلى المستشفى، نقلوني مباشرة إلى قسم الطوارئ، وأُجريت لي الفحوص اللازمة خلال دقائق. ثم أخبرني الطبيب بلهجة حاسمة:
"هناك انسداد بنسبة 90٪ في أحد الشرايين التاجية، يجب التدخل فورًا وإزالة الخثرة قبل أن يتضرر القلب."
لم يكن أمامي خيار سوى التسليم للأمر الواقع، وتم نقلي مباشرة إلى غرفة القسطرة. كان قلبي يخفق بشدة، لكن روحي كانت مطمئنة وأنا أردد في داخلي: يا رب، إن كتبت لي الحياة فاجعلها حياة طيبة، وإن كتبت لي الموت فاجعلها خاتمة خير
"ربي احيني مسلما وتوفني مسلما وألحقني بالصالحين."
بعد دقائق طويلة شعرت فيها أن الزمن توقف، أخبرني الطبيب أنهم نجحوا في إزالة الخثرة وفتح الشريان. كانت تلك لحظة ولادة جديدة بالنسبة لي. شعرت بدموع الفرح على خديّ وأنا أحمد الله أن منحني فرصة ثانية للحياة والعمل على استعادة الجانب المرضي في حياتي والذي اعتدت عليه طيلة شبابي وهو الاستغراق في عبادة الله سبحانه وتعالى بما تعنيه الكلمه من معنى واحسست بان استعادة العبادة باليقين تتجلى معها صفات عظيمة ويقينية بقدرة الله وعظمته سبحانه وتعالى إحساس المرء بأنه في هذه الدنيا كأنك غريب او عابر سبيل وليس مقيما والى متى، ومن هنا استعدت شخصيتي ولم يعد لدي تردد في المضي والعطاء وربما اكثر مما كنت اعطي من قبل, وهكذا هي الحياه مدرسه كبيره عظيمه للمتعه والدراسة والتأمل والعبادة لله قبلهما .
منذ ذلك اليوم، صرت استشعر قيمة كل نفس، وأحمد الله كثيرًا على نجاتي. لم تعد الحياة بالنسبة لي مجرد روتين يومي، بل أمانة يجب أن أعيشها بوعي وشكر دائم و افاق عالية فتحت للولوج إليها بقلب نشط وقادر على العطاء.
والى اللقاء مع الحلقة الاخيرة