رحلة اللبأ…
في العاشر من مايو من كل عام، تحتفل بعض الـدول بعيد الأم، من بينها الولايات المتحدة وكندا وأستراليا، عن باقي دول العالم الاخر التي تحتفل به في 21 من مارس من كل عام؛ هذه المناسبة كانت ملهمة لما هو آت:
لمن لا يعرف اللبأ،
فهو أول حليبٍ تُدرّه الشاة بعد ولادتها،
شيءٌ يشبه البركة.
حُلبت لها النعجات،
وأعدّته بيديها،
ثم خبأته في الثلاجة
كأنها تُخفي كنزًا.
وحين حانت ساعة السفر،
خبأته في “شلامتها”،
وسألوها: ماذا تُخفين؟
فقالت ببساطة:
“لا شيء.”
ولم يكن يعلم بما تُخفيه
إلا الله.
كانت تعرف جيدًا
أنهم لو علموا
لقالوا لها:
كيف سيصمد اللبن بلا ثلاجة؟
أو ربما سخروا من حرصها،
ورأوا في فعلتها مبالغة.
لكن بعض القلوب
لا تفكر بمنطق الناس.
وصلت إلى الزاوية،
فتحت العلبة قليلًا،
تذوقت منه خلسة،
لتتأكد هل ما زال صالحًا أم لا،
ثم أعادته سريعًا إلى الثلاجة
كأنها تُخفي سرًّا عظيمًا.
وعندما جاء موعد السفر إلى القاهرة،
أخفته مرةً أخرى في “شلامتها”،
ليعبر التفتيش،
وليكمل الرحلة معها.
وحين وصلت مطار القاهرة،
أخرجت العلبة من جديد،
فتحتها،
وتذوقت منه مرةً أخرى.
إن كان قد فسد
سترميه في أول سلة قمامة،
دون أن يعلم أحد بقصته،
وإن كان سليمًا
فسيكمل الرحلة الأخيرة.
وبذكاءٍ فطري
أكملت الطريق.
حتى وصلت إلى شقتي
في أبريل 2004،
وقالت لزوجتي:
“حطيه في الثلاجة…
هذه حصتكم من اللبأ.”
نعم…
كانت مريم الباهي الطاهر
رحمة الله عليها.
وهكذا هي الأم…
ترسم الخطط،
وتتحدى الجمارك والمنطق والمسافات،
لا من أجل نفسها،
بل فقط
ليفيض قلبها على من تُحب حنانًا.
فعطاء الأم
ليس طعامًا فقط،
بل قلبٌ يتجسد في كل شيء تصنعه
لأبنائها.
انتهى