ميكرفون جامع القصر… (قريتي)

لم يكن ميكرفونًا…

كان قلبًا يُنادي.

“عين براك” حفرها رجلٌ صالح يُدعى "سبال العين"،

كانت شاهدةً على كل من دخل المسجد،

تمدّه بماء الوضوء،

وكأن الماء نفسه كان يتهيأ للصلاة قبل الناس.

هناك…

في آخر الشارع، "سوق الخضارة"،

يقابله دكاكين الحاج مختار الجربي،

خمسة دكاكين،

وأول “كوشة” في براك كانت “كوشة قش”،

وكانوا يقولون:

دكاكين خمسة وسيدهن بحداهن

عطية المولى حجب على مولاهن

الحاج أبوجنيبة،

والحاج خريبيش،

والحاج شو…

نادراً ما كان يبتسم.

يجلس أمام بيته في صمتٍ مهيب،

وكنا نخافه لأنه قليل الكلام،

وكان الصمت يومها له هيبة.

باب بيت الحاج عبدالرحمن قحماني

يفتح على باب المسجد الجانبي،

كأن البيت يسجد قبل أهله،

وكأن الأذان يمرُّ أولًا عبر جدارهم

قبل أن يصعد إلى السماء.

كان اسمه “مسجد براك”

حين كانت براك القديمة حاضرة،

ثم صار “مسجد القصر”

حين كانت محلة القصر حاضرة،

واليوم يُقال له “مسجد آدم”…

لكن الاسم لم يكن يومًا هو الحكاية،

الحكاية كانت في الصوت.

صوت سورة الكهف

ينساب قبل الأذان،

بصوت المنشاوي أو عبدالصمد،

يغمر الجنوب حتى عرق العجل،

ويمضي غربًا إلى العافية،

ويصافح المصلى شمالًا،

ويطرق الزاوية في الشمال الشرقي،

أما الشرق…

فكان يلامس مزارع البلاد القديمة

و“بحر أبو قميلة”.

كانت مكبرات المساجد تختلط،

وتتعانق الأصوات،

ولا أحد يشتكي من “مسٍّ ولا جان”،

ولا اضطرابات ولا تأفف.

كان الصوت ذكرًا… لا ضجيجًا.

ثم يقف الحاج زياد،

يطلق صوته بالصلاة على النبي:

“الصلاة على من اسمه في السماء أحمد،

وفي الأرض محمد،

وفي الجنة أبي القاسم…”

ويمضي يصف الجنة

كأنها تُفتح أمامنا:

“المسك تربتها،

والزعفران حشيشٌ نابتٌ فيها…”

كنا أطفالًا،

لا نفهم المعاني،

نُحرّف الكلمات ونضحك،

لكن الكلمات كانت تعمل فينا

بهدوء…

كالماء في جذور الأرض.

اليوم…

سورة الكهف في هواتفنا،

والأصوات محفوظة في منصات،

والأذكار بضغطة زر.

لم نعد بحاجة إلى ميكرفون جامع القصر…

لكننا بحاجة إلى القلوب

التي كانت تحمله.

قلوبٌ كانت تُذكّر الناس

حين كانت الأمية تتجاوز التسعين بين النساء،

وتلامس النصف بين الرجال،

فكان من يسمع

ينال أجر السماع،

ومن يُردّد

يحفظ المعنى ولو لم يفهمه.

الميكرفون لم يكن جهازًا…

كان مدرسة،

وحارس ذاكرة،

ويدًا تربّت على كتف القرية كلها.

ربما لم يتغيّر الصوت…

لكن الذي تغيّر

هو الصدى داخلنا.

انتهى

💓 3
  • المزيد
التعليقات (5)
    • رائع كالعادة كرومة

      • 💓 1
      • تسلم يا طيب

        • 💓 1
      • ماشاء الله ابداع والله

        • 💓 1
        • تسلم، اسعدني مروركم النبيل.

        • براك تلك الأصيلة الوديعة، واهلها الشرفاء الطيبين الذين حظيت بضيافتهم الكريمة في زيارتي لها بالعقد الأول من الالفينات، وعرفت عنها ومنها الكثير من روايات رجالها الذين تشرفت بلقائهم حينذاك...وقد عرفتهم عن قرب ونعم من عرفت من الرجال شهامة وإمامة وإستقامة .. ويأتي في مقدمتهم قائدنا الكشفي المرحوم معروف عمر العزومي الذي عرفته منذ نهاية الستينات عندما كان يعمل برئاسة وزراء المملكة بالبيضاء وقد زرع في نفوسنا حب الوطن عندما كان يقودنا في الإنشاد بصوته الجميل وآدائه الجنوبي الرائع، أشكرك اخي العزيز عبدالكريم لهذا الصدى البهيج والإضافة الجميلة التي عادت بنا الى تلك لحظات رائعة حيث الزمان جميلا والمكان اجمل ..

          • 💓 1